الصفحة 364 من 811

ومثالُ ذلك معَ أنَّ بالتشديدِ: (عَجِبْتُ مِن أنك قائمٌ) ، فيَجُوزُ حذفُ (مِن) فتقولُ: (عَجِبْتُ أنَّكَ قائمٌ) ، فإنْ حصَلَ لَبْسٌ لم يَجُزِ الحَذْفُ، نحوُ: (رَغِبْتُ في أنْ تَقُومَ) ، أو (رَغِبْتُ في أنَّكَ قائمٌ) ، فلا يَجُوزُ حذفُ (في) ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ المحذوفُ (عن) فيَحْصُلُ اللَّبْسُ.

واخْتُلِفَ في مَحَلِّ (أنَّ وأنْ) عندَ حذفِ حرفِ الجرِّ؛ فذَهَبَ الأَخْفَشُ إلى أنَّهما في مَحَلِّ جَرٍّ، وذَهَبَ الكِسَائِيُّ إلى أنهما في محلِّ نصبٍ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى تجويزِ الوجهيْنِ [1] .

وحاصلُه: أنَّ الفعلَ اللازِمَ يَصِلُ إلى المفعولِ بحرفِ الجرِّ، ثمَّ إنْ كانَ المجرورُ غيرَ (أنَّ وأنْ) لم يَجُزْ حذفُ حرفِ الجرِّ إلا سماعًا، وإنْ كانَ (أنَّ، وأنْ) جازَ ذلكَ قِياسًا عندَ أَمْنِ اللَّبْسِ، وهذا هو الصحيحُ.

والأصلُ سَبْقُ فَاعِلٍ مَعْنًى كمَن مِن (أَلْبِسَنْ مَن زَارَكُمْ نَسْجَ اليَمَنْ) [2]

(1) أمَّا الذين ذَهَبُوا إلى أنَّ المصدرَ المُنْسَبِكَ من الحرفِ المصدريِّ ومعمولِه في مَحَلِّ نصبٍ بعدَ حَذْفِ حرفِ الجرِّ الذي كانَ يَقْتَضِي جَرَّهُ، فاسْتَدَلُّوا على ذلك بِشَيْئَيْنِ:

أَوَّلُهُما: أنَّ حَرْفَ الجرِّ عاملٌ ضعيفٌ، وآيةُ ضَعْفِه أنه مُخْتَصٌّ بنوعٍ واحدٍ هو الاسمُ، والعاملُ الضعيفُ لا يَقْوَى على العملِ إلاَّ إذا كانَ مذكورًا، فمتى حُذِفَ مِن الكلامِ زالَ عَمَلُه.

وثاني الدليليْنِ: أنَّ حَرْفَ الجرِّ إذا حُذِفَ مِن الكلامِ، وكانَ مَدْخُولُه غيرَ (أنَّ) و (أنْ) فنحنُ مُتَّفِقُون على أنَّ الاسمَ الذي كانَ مجرورًا به يُنْصَبُ، كما في بيتِ عمرَ وبيتِ جَرِيرٍ السابقِ (رَقْمِ 159) ، وكما في قَوْلِ سَاعِدَةَ بنِ جُؤيةَ الهُذَلِيِّ:

لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ

وكما في قولِ المُتَلَمِّسِ جَرِيرِ بنِ عبدِ المَسيحِ يُخَاطِبُ عمرَو بنَ هِنْدٍ مَلِكَ الحِيرَةِ:

آلَيْتَ حَبَّ العِرَاقِ الدَّهْرَ أَطْعَمُهُ ... والحَبُّ يَأْكُلُهُ فِي القَرْيَةِ السُّوسُ

أرادَ الأوَّلُ: كما عَسَلَ في الطريق، وأراد الثانِي: آلَيْتُ على حَبِّ العِراقِ، فلَمَّا حَذَفَا حرفَ الجرِّ نَصَبَا الاسمَ الذي كانَ مجرورًا، فيَجِبُ أنْ يكونَ هذا هو الحُكْمَ معَ أنَّ وأنْ.

وأمَّا الذين ذَهَبُوا إلى أنَّ المصدرَ في مَحَلِّ جرٍّ بعدَ حَذْفِ حرفِ الجَرِّ فقد اسْتَدَلُّوا على ما ذَهَبُوا إليه بالسماعِ عن العربِ.

فمن ذلك قولُ الفَرَزْدَقِ مِن قَصِيدَةٍ يَمْدَحُ فيها عبدَ المُطَّلِبِ بنَ عبدِ اللهِ المَخْزُومِيَّ:

وما زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ... إِلَيَّ وَلاَ دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ

فقولُه: (ولا دَيْنٍ) مرويٌّ بِجَرِّ (دَيْنٍ) المَعْطُوفِ على المصدرِ المُنْسَبِكِ من (أنْ تكونَ ... إلخ) وذلك يَدُلُّ على أنَّ هذا المصدرَ مجرورٌ؛ لِوُجُوبِ تَطَابُقِ المعطوفِ والمعطوفِ عليه في حَرَكَاتِ الإعرابِ.

وقد حَذَفَ الفَرَزْدَقُ حرفَ الجرِّ وأَبْقَى الاسمَ مجرورًا على حالِه قبلَ الحَذْفِ، وذلك في قَوْلِهِ:

إِذَا قِيلَ: أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ... أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ

أصلُ الكلامِ: أشارَتْ إلى كُلَيْبٍ، فلمَّا حَذَفَ (إلى) أَبْقَى (كُلَيْبٍ) على جَرِّهِ.

فلَمَّا رَأَى سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ تَكَافُؤَ الأَدِلَّةِ، وأنَّ السَّماعَ وَرَدَ بالوجهيْنِ، ولا وَجْهَ لِتَرْجِيحِ أَحَدِهِما على الآخَرِ، جَوَّزَ كلَّ واحدٍ مِنهما.

(2) (والأصلُ) مبتدأٌ، (سَبْقُ) خبرُ المُبْتَدَأِ، وسَبْقُ مضافٌ (وفاعِلٍ) مضافٌ إليه، (مَعْنًى) منصوبٌ على نَزْعِ الخافِضِ، أو تَمْيِيزٌ، (كمَن) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتقديرُ: وذلك كائنٌ كمَن ... إلخ، (مِن) حرفُ جَرٍّ، ومجرورُه قَوْلٌ محذوفٌ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ، (أَلْبِسَنْ) فِعْلُ أَمْرٍ مؤكَّدٌ بالنونِ الخفيفةِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (مَن) اسمٌ مَوْصُولٌ مفعولٌ أَوَّلُ لأَلْبِس، (زَارَكُمْ) زَارَ: فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى مَن، وضميرُ المخاطَبينَ مفعولٌ به، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةٌ، (نَسْجَ) مفعولٌ ثانٍ لأَلْبِس، ونَسْجَ مضافٌ و (اليمنْ) مضافٌ إليه مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، وسُكِّنَ لأجلِ الوقفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت