الصفحة 365 من 811

إذا تَعَدَّى الفعلُ إلى مفعوليْنِ الثاني منهما ليسَ خَبَرًا في الأصلِ؛ فالأصلُ تقديمُ ما هو فاعلٌ في المعنى، نحوُ: (أَعْطَيْتُ زَيْدًا دِرْهمًا) ، فالأصلُ تقديمُ (زَيْدٍ) على (دِرْهَمٍ) ؛ لأنَّه فاعلٌ في المعنى؛ لأنَّه الآخِذُ للدِّرْهَمِ، وكذا (كَسَوْتُ زيدًا جُبَّةً) ، و (أَلْبِسَنْ مَن زَارَكُمْ نَسْجَ اليَمَنِ) ، فـ (مَن) مفعولٌ أوَّلُ، ونَسْجَ مفعولٌ ثانٍ، والأصلُ تقديمُ مَن على نَسْجَ اليمنِ؛ لأنَّه اللابِسُ، ويَجُوزُ تقديمُ ما ليسَ فاعلًا معنًى لكنَّه خِلافُ الأصلِ.

ويَلْزَمُ الأصلُ لِمُوجِبٍ عَرَى ... وتَرْكُ ذاكَ الأصلِ حَتْمًا قد يُرَى [1]

أي: يَلْزَمُ الأصلُ، وهو تقديمُ الفاعلِ في المعنى إذا طَرَأَ ما يُوجِبُ ذلك، وهو خوفُ اللَّبْسِ، نحوُ: (أَعْطَيْتُ زَيْدًا عَمْرًا) ، فيَجِبُ تقديمُ الآخِذِ مِنهما، ولا يَجُوزُ تقديمُ غيرِه لأجلِ اللَّبْسِ؛ إذ يُحْتَمَلُ أنْ يكونَ هو الفاعِلَ، وقد يَجِبُ تقديمُ ما ليسَ فاعلًا في المعنى، وتأخيرُ ما هو فاعلٌ في المعنى، نحوُ: (أَعْطَيْتُ الدرهمَ صاحِبَه) ، فلا يَجُوزُ تقديمُ صاحبَه، وإنْ كانَ فاعلًا في المعنى، فلا تقولُ: (أَعْطَيْتُ صاحبَه الدِّرْهَمَ) ؛ لئلاَّ يعودَ الضميرُ على متأخِّرٍ لفظًا ورُتْبَةً، وهو مُمْتَنِعٌ، واللهُ أعلمُ [2] .

(1) (ويَلْزَمُ الأَصْلُ) فعلٌ وفاعلٌ، (لِمُوجِبٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَلْزَمُ، (عَرَى) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى مُوجِبٍ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ نعتٌ لِمُوجِبٍ، (وتَرْكُ) مبتدأٌ، وتَرْكُ مضافٌ واسمُ الإشارةِ من (ذاك) مضافٌ إليه، والكافُ حَرْفُ خِطابٍ، (الأَصْلِ) بَدَلٌ أو عَطْفُ بيانٍ مِن اسمِ الإشارةِ، (حَتْمًا) حالٌ مِن نائبِ الفاعِلِ المستَتِرِ في (يُرَى) الآتي، وتَقْدِيرُه باسمِ مفعولٍ؛ أي: محتومًا، (قد) حرفُ تَقْلِيلٍ، (يُرَى) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى (تَرْكُ) ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ.

(2) تَلْخِيصُ ما أشارَ إليه الشارِحُ والناظِمُ في هذه المسألةِ، أنَّ للمفعولِ الأوَّلِ معَ المفعولِ الثاني ـ اللذيْنِ ليسَ أَصْلُهما المبتدأَ والخبرَ ـ ثلاثةَ أحوالٍ:

الحالةُ الأُولى: يَجِبُ فيها تقديمُ الفاعلِ في المعنَى.

والحالةُ الثانيةُ: يَجِبُ فيها تقديمُ المفعولِ في المعنى.

والحالةُ الثالثةُ: يجوزُ فيها تقديمُ أَيِّهِما شِئْتَ.

وسَنُبَيِّنُ لكَ مواضِعَ كلِّ حالةٍ مِنها تَفصيلًا:

أمَّا الحالةُ الأُولى فلها ثلاثةُ مَوَاضِعَ:

أَوَّلُها: أنْ يُخَافَ اللَّبْسُ، وذلك إذا صَلَحَ كلٌّ مِن المفعوليْنِ أنْ يكونَ فاعلًا في المعنى، وذلك نحوُ: (أَعْطَيْتُ زَيْدًا عَمْرًا) .

وثانيها: أنْ يكونَ المفعولُ في المعنى محصورًا فيه، نحوُ قولِكَ: (ما كَسَوْتُ زَيْدًا إلاَّ جُبَّةً، وما أَعْطَيْتُ خَالِدًا إلاَّ دِرْهَمًا) .

وثالِثُها: أنْ يكونَ الفاعلُ في المعنى ضَميرًا، والمفعولُ في المعنى اسمًا ظاهرًا، نحوُ: (أَعْطَيْتُكَ دِرْهَمًا) .

وأمَّا الحالةُ الثانيةُ فلها ثلاثةُ مَوَاضِعَ أيضًًا:

أَوَّلُها: أنْ يكونَ الفاعلُ في المعنى مُتَّصِلًا بضميرٍ يعودُ على المفعولِ في المعنى، نحوُ: (أَعْطَيْتُ الدِّرْهَمَ صَاحِبَه) ؛ إذ لو قُدِّمَ لعادَ الضميرُ على متأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً.

وثانيها: أنْ يكونَ الفاعلُ في المعنى مِنهما مَحْصُورًا فيه، نحوُ قولِكَ: (ما أَعْطَيْتُ الدِّرْهَمَ إلاَّ زَيْدًا) .

وثالِثُها: أنْ يكونَ المفعولُ في المعنى مِنهما ضَميرًا، والفاعلُ في المعنى اسمًا ظاهرًا، نحوُ قَوْلِكَ: (الدِّرْهَمُ أَعْطَيْتُه بَكْرًا) .

وأما الحالةُ الثالثةُ ففيما عدا ما ذَكَرْنَاه مِن مواضِعِ الحالتيْنِ، ومِنها قولُكَ: (أَعْطَيْتُ زَيْدًا مالَه) يجوزُ أنْ تقولَ فيه: أَعْطَيْتُ مالَه زيدًا، فالضميرُ إنْ عادَ على متأخِّرٍ لفظًا فقد عادَ على متقدِّمٍ رُتْبَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت