فهرس الكتاب
ولا تَجِئْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاَ [1]
بل حَذْفَهُ الْزَمْ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ وأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ [2]
تَقَدَّمَ أنه إذا أُعْمِلَ أحدُ العامليْنِ في الظاهرِ وأُهْمِلَ الآخرُ عنه أُعْمِلَ في ضميرِه، ويَلْزَمُ الإضمارُ إنْ كانَ مطلوبُ الفعلِ مِمَّا يَلْزَمُ ذِكْرُه؛ كالفاعلِ أو نائبِه، ولا فرقَ في وُجُوبِ الإضمارِ حينَئذٍ بينَ أنْ يكونَ المُهْمَلُ الأوَّلَ أو الثانِيَ، فتقولُ: (يُحْسِنَانِ ويُسِيءُ ابناكَ، ويُحْسِنُ ويُسِيئَانِ ابناكَ) .
وذكَرَ هنا أنه إذا كانَ مطلوبُ الفِعْلِ المُهْمَلِ غيرَ مرفوعٍ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ عُمْدَةً في الأصلِ، وهو مفعولُ (ظَنَّ) وأَخَوَاتِها؛ لأنَّه مبتدأٌ في الأصلِ أو خبرٌ، وهو المرادُ بقولِهِ: (إنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ) - أو لا، فإنْ لم يَكُنْ كذلك فإمَّا أنْ يكونَ الطالبُ له هو الأوَّلَ أو الثانِيَ، فإنْ كانَ الأوَّلَ لم يَجُزِ الإضمارُ، فتقولُ: (ضَرَبْتُ وضَرَبَنِي زَيْدٌ، ومَرَرْتُ ومَرَّ بي زيدٌ) ، ولا تُضْمِرُ، فلا تقولُ: (ضَرَبْتُه وضَرَبَنِي زيدٌ) ، ولا (مَرَرْتُ به ومَرَّ بي زَيْدٌ) ، وقد جاءَ في الشعرِ؛ كقولِهِ:
160 -إِذَا كُنْتَ تُرْضِيهِ وَيُرْضِيكَ صَاحِبٌ ... جِهَارًا فَكُنْ فِي الْغَيْبِ أَحْفَظَ لِلْعَهْدِ
وأَلْغِ أَحَادِيثَ الْوُشَاةِ فَقَلَّمَا ... يُحَاوِلُ وَاشٍ غَيْرَ هِجْرَانِ ذِي وُدِّ [3]
(1) (ولا) ناهيةٌ، (تَجِئْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مجزومٌ بلا الناهيةِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (مَعْ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَجِئْ، ومعْ مضافٌ و (أَوَّلٍ) مضافٌ إليه، (قد) حرفُ تحقيقٍ، (أُهْمِلاَ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى أَوَّلٍ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ صفةٌ لأَوَّلٍ، (بِمُضْمَرٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَجِئْ، (لِغَيْرِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأُوْهِلَ الآتي، وغيرِ مضافٌ و (رَفْعٍ) مضافٌ إليه، (أُوهِلاَ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، والألِفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى مُضمرٍ، والجملةُ في مَحَلِّ جرٍّ صِفَةٌ لِمُضْمَرٍ.
(2) (بل) حرفُ عَطْفٍ، ومعناه ـ هنا ـ الانتقالُ، (حَذْفَهُ) حَذْفَ: مفعولٌ مُقَدَّمٌ لالْزَمْ، وحذفَ مضافٌ وضميرُ الغائبِ مضافٌ إليه، (الْزَمْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، (يَكُنْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ ناقِصٌ، فِعْلُ الشرطِ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى مُضْمَرٍ، (غَيْرَ) خبرُ يَكُنْ، وغيرَ مضافٌ (وخَبَرْ) مضافٌ إليه، (وأَخِّرَنْهُ) الواوُ عاطفةٌ، أَخِّر: فِعْلُ أَمْرٍ مؤكَّدٌ بالنونِ الخفيفةِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، ونونُ التوكيدِ حرفٌ لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ، والهاءُ مفعولٌ به لأَخِّر مَبْنِيٌّ على الضمِّ في مَحَلِّ نصبٍ، (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، (يَكُنْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ ناقصٌ فعلُ الشرطِ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى مُضْمَرٍ، (هو) ضميرُ فصلٍ لا مَحَلَّ له من الإعرابِ، (الْخَبَرْ) خبرُ يَكُنْ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه سابقُ الكلامِ، والتقديرُ: إنْ يَكُنْ مُضْمَرُ غَيْرِ الرفعِ هو الخبرَ فأَخِّرَنْهُ.
(3) 160 - البيتانِ مِن الشواهدِ التي لم نَقِفْ لأحدٍ على نِسْبَتِها لقائلٍ مُعَيَّنٍ.
اللغةُ: (جِهارًا) بزِنَةِ كِتَابٍ؛ أي: عِيَانًا ومُشَاهَدَةً، وتقولُ: رَأَيْتُه جَهْرًا وجِهَارًا، وكَلَّمْتُ فُلانًا جَهْرًا وجِهَارًا، وجَهَرَ فلانٌ بالقولِ جَهْرًا، كلُّ ذلك في معنى العَلَنِ، قالَ اللهُ تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} ، وقالَ الأخفشُ في قَوْلِهِ تعالى: {حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} ؛ أي: عِيانًا يُكْشَفُ عَنَّا ما بَيْنَنَا وبَيْنَه، (الغَيْبِ) أصلُ معناه في اللغةِ: ما اسْتَتَرَ عنكَ ولم تَرَهُ، ويُرِيدُ به ههنا ما لم يَكُنِ الصاحِبُ حَاضرًا، (أَحْفَظَ للعَهْدِ) يُرْوَى في مكانِه: (أَحْفَظَ للوُدِّ) والوُدُّ ـ بضمِّ الواوِ في المشهورِ، وقد تُكْسَرُ الواوُ أو تُفْتَحُ: المَحَبَّةُ، (أَلْغِ) يُرِيدُ: لا تَجْعَلْ لكلامِ الوُشَاةِ سَبِيلًا إلى قَلْبِكَ، (الْوُشَاةِ) جمعُ وَاشٍ، وهو الذي يَنْقُلُ إليكَ الكلامَ عن خِلاَّنِكَ وأَحِبَّائِكَ بقَصْدِ إفسادِ ما بينَكُم من أَوَاصِرِ المَحَبَّةِ، (يُحَاوِلُ) هو مضارِعٌ من المحاولةِ، وأصلُها إرادةُ الشيءِ بحِيلَةٍ.
المعنى: إذا كانَتْ بَيْنَكَ وبينَ أحدٍ صَدَاقَةٌ، وكانَ كلُّ واحدٍ مِنْكُما يَعْمَلُ في العَلَنِ على إرضاءِ صَاحِبِه، فتَمَسَّكْ بأوَاصِرِ هذه المَحَبَّةِ في حالِ غَيْبَةِ صَدِيقِكَ عنكَ، ولا تَقْبَلْ في شأنِه أقوالَ الوُشَاةِ؛ فإنَّهم إنما يُرِيدُونَ إفسادَ هذه الصداقةِ وتَعْكِيرَ صَفْوِها.
الإعرابُ: (إذا) ظرفُ زمانٍ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ نصبٍ، (كُنْتَ) كانَ: فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، والتاءُ ضميرُ المُخَاطَبِ اسمُه، وجملةُ (تُرْضِيهِ) مِن الفعلِ معَ فاعلِه المستترِ ومفعولِه في مَحَلِّ نصبٍ خبرُ كانَ، والجملةُ مِن كانَ ومَعْمُولَيْها في مَحَلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، وهي جملةُ الشرطِ، (ويُرْضِيكَ) فعلٌ ومفعولٌ به، (صَاحِبٌ) فاعلُ يُرْضِيكَ، وجملةُ يُرْضِيكَ وفاعلِه ومفعولِه في مَحَلِّ نصبٍ معطوفةٌ على جملةِ تُرْضِيهِ التي قبلَها، (جِهَارًا) منصوبٌ على الظرفيَّةِ تَنَازَعَهُ كلٌّ مِن الفعليْنِ السابقيْنِ، (فكُن) الفاءُ لربطِ الجوابِ بالشرطِ، كُنْ: فِعْلُ أَمْرٍ ناقصٌ، واسْمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (في الغَيْبِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ، (أَحْفَظَ) خبرُ كُنْ، (للعَهْدِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَحْفَظَ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (تُرْضِيهِ ويُرْضِيكَ صَاحِبٌ) فقد تَقَدَّمَ في هذه العبارةِ عاملانِ، وهما (تُرْضِي) و (يُرْضِي) ، وتَأَخَّرَ عنهما معمولٌ واحدٌ، وهو قولُه: (صاحِبٌ) ، وقد تَنَازَعَ كلٌّ مِن (تُرْضِي) و (يُرْضِي) ذلك الاسمَ الذي بعدَهما، وهو (صاحِبٌ) ، والأوَّلُ يَطْلُبُه مفعولًا به، والثاني طَلَبَه فاعلًا، وقد أَعْمَلَ الشاعرُ فيه الثانِيَ، وأَعْمَلَ الأوَّلَ في ضميرِه الذي هو الهاءُ.
والجمهورُ يَرَوْنَ أنه كانَ يَجِبُ على الشاعرِ ألاَّ يُعْمِلَ الأوَّلَ في الضميرِ؛ لأنَّ هذا الضميرَ ـ بالنسبةِ للعاملِ الأوَّلِ ـ فَضْلَةٌ يَسْتَغْنِي الكلامُ عنه، وذِكْرُ الضميرِ معَ العاملِ الأوَّلِ يَتَرَتَّبُ عليه الإضمارُ قبلَ الذِّكْرِ، والإضمارُ قبلَ الذِّكْرِ لا يجوزُ، وقد ارْتَكَبَه الشاعرُ، من غيرِ ضرورةٍ مُلْجِئَةٍ إلى ارتكابِ هذا المحظورِ؛ فإنَّهم إنما أجَازُوا ـ في هذا البابِ ـ الإضمارَ قبلَ الذِّكْرِ حينَ لا يكونُ منه بُدٌّ، وذلك إذا كانَ الضميرُ فَاعِلًا مَثَلًا؛ لأنه لا يَسْتَغْنِي الكلامُ عنه، ولا يجوزُ حَذْفُه، والضرورةُ يَجِبُ أنْ تَتَقَدَّرَ بِقَدْرِها، ومِنهم مَن مَنَعَ الإضمارَ قبلَ الذِّكْرِ مُطلقًا.