فهرس الكتاب
فذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ الثانِيَ أَوْلَى به؛ لِقُرْبِهِ منه، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الأوَّلَ أَوْلَى به؛ لِتَقَدُّمِهِ.
وأَعْمِلِ المُهْمَلَ في ضَمِيرِ مَا ... تَنَازَعَاهُ والْتَزِمْ ما الْتُزِمَا [1]
كيُحْسِنَانِ ويُسِيءُ ابْنَاكَا ... وقدْ بَغَى واعْتَدَيَا عَبْدَاكَا [2]
أي: إذا أَعْمَلْتَ أحدَ العامليْنِ في الظاهِرِ وأَهْمَلْتَ الآخَرَ عنه فأَعْمِلِ المُهْمَلَ في ضميرِ الظاهرِ، والْتَزِمِ الإضمارَ إنْ كانَ مطلوبُ العاملِ مِمَّا يَلْزَمُ ذِكْرُهُ، ولا يَجُوزُ حذفُه كالفاعلِ، وذلك كقولِكَ: (يُحْسِنُ ويُسِيءُ ابْنَاكَ) ، فكلُّ واحدٍ مِن (يُحْسِنُ) و (يُسِيءُ) يَطْلُبُ (ابْنَاكَ) بالفاعليَّةِ، فإنْ أَعْمَلْتَ الثانِيَ وَجَبَ أنْ تُضْمِرَ في الأوَّلِ فاعِلَه، فتقولَ: (يُحْسِنَانِ ويُسِيءُ ابْنَاكَ) ، وكذلك إنْ أَعْمَلْتَ الأوَّلَ وَجَبَ الإضمارُ في الثاني، فتقولُ: (يُحْسِنُ ويُسِيئَانِ ابْنَاكَ) ، ومِثْلُه: (بَغَى واعْتَدَيَا عَبْدَاكَ) ، وإنْ أَعْمَلْتَ الثانِيَ في هذا المثالِ قلتَ: (بَغَيَا واعْتَدَى عَبْدَاكَ) ، ولا يَجُوزُ تَرْكُ الإضمارِ؛ فلا تقولُ: (يُحْسِنُ ويُسِيءُ ابْنَاكَ) ، ولا (بَغَى واعْتَدَى عَبْدَاكَ) ؛ لأنَّ تَرْكَه [3] يُؤَدِّي إلى حذفِ الفاعلِ، والفاعلُ مُلْتَزَمُ الذِّكْرِ، وأجازَ الكِسَائِيُّ ذلك على الحذفِ؛ بناءً على مَذْهَبِه في جوازِ حذفِ الفاعلِ، وأَجَازَه الفَرَّاءُ على تَوَجُّهِ العامليْنِ معًا إلى الاسمِ الظاهرِ، وهذا بِناءً منهما على مَنْعِ الإضمارِ في الأوَّلِ عندَ إعمالِ الثاني، فلا تقولُ: (يُحْسِنَانِ ويُسِيءُ ابناكَ) ، وهذا الذي ذَكَرْنَاه عنهما هو المشهورُ مِن مَذْهَبِهما في هذه المسألةِ.
(1) (وأَعْمِِل) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (المُهْمَلَ) مفعولٌ به لأَعْمِلْ، (في ضَمِيرِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَعْمِلْ، وضميرِ مضافٌ و (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ، مضافٌ إليه، (تَنَازَعَاهُ) فِعْلٌ ماضٍ وفاعلٌ ومفعولٌ به، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ، (وَالْتَزِمْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ مفعولٌ به لالْتَزِمْ، (الْتُزِمَا) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، والألِفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ما، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةٌ.
(2) (كَيُحْسِنَانِ) الكافُ جَارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، ويُحْسِنَانِ: فِعْلٌ وفاعلٌ، (ويُسِيءُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، (ابْنَاكَا) ابْنَا: فاعلُ يُسِيءُ مرفوعٌ بالألِفِ لأنَّه مُثَنًّى، وابنا مضافٌ وضميرُ المخاطَبِ مضافٌ إليه، (وقد) حرفُ تَحْقِيقٍ، (بَغَى) فِعْلٌ ماضٍ، (واعْتَدَيَا) فعلٌ وفاعلٌ، (عَبْدَاكَا) فاعلُ بَغَى، ومضافٌ إليه.
(3) يُرِيدُ أنَّ تَرْكَ الإضمارِ يُؤَدِّي إلى حذفِ الفاعِلِ، وهذا كلامٌ قاصِرٌ، ولا بُدَّ مِن تقديرٍ لِتَصِحَّ العِبَارَةُ؛ فإنَّ تَرْكَ الإضمارِ لا يُؤَدِّي إلى حذفِ الفاعلِ دائمًا؛ لِجَوَازِ أنْ يَظْهَرَ معَ كلِّ عاملٍ مَعْمُولُه، والكلامُ التامُّ أنْ يُقالَ: إنَّ تَرْكَ الإضمارِ يَلْزَمُ مِنه أحدُ أمريْنِ: الأَوَّلُ: التَّكْرَارُ إذا أَظْهَرْتَ معَ كلِّ عامِلٍ مَعْمُولَهُ، والثاني: حَذْفُ الفاعلِ، وكلاهما مَحْظُورٌ.