فهرس الكتاب
مَثَّلْنَا، ومُقْتَضَاهُ أنه لو تَأَخَّرَ العاملانِ لم تَكُنِ المسألةُ مِن بابِ التنازُعِ، وقولُه: (فللواحدِ مِنهما العَمَلْ) معناه: أنَّ أحدَ العامليْنِ يَعْمَلُ في ذلكَ الاسمِ الظاهرِ، والآخرَ يُهْمَلُ عنه ويَعْمَلُ في ضميرِه؛ كما سَيَذْكُرُه، ولا خلافَ بينَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ أنه يَجُوزُ إعمالُ كلِّ واحدٍ مِن العامليْنِ في ذلكَ الاسمِ الظاهرِ، ولكِنِ اخْتَلَفُوا في الأَوْلَى مِنهما [1] :
(1) رأَى البَصْرِيُّونَ أنَّ إعمالَ ثانِي العامليْنِ أَولَى من إعمالِ الأوَّلِ مِنهما؛ لثلاثِ حُجَجٍ:
الأولى: أنه أقرَبُ إلى المعمولِ، وهي العِلَّةُ التي ذَكَرَها الشارِحُ.
الثانيةُ: أنه يَلْزَمُ على إعمالِ الأوَّلِ مِنهما الفصلُ بينَ العاملِ، وهو المتقدِّمُ، ومَعْمُولِه، وهو الاسمُ الظاهرُ بأجنبيٍّ من العاملِ، وهو ذلك العاملُ الثاني، ومعَ أنَّ الفصلَ بينَ العاملِ والمعمولِ مُغْتَفَرٌ في هذا البابِ للضرورةِ التي أَلْجَأَتْ إليه، فهو خلافُ الأصلِ على الأقلِّ.
الثالِثَةُ: أنه يَلْزَمُ على إعمالِ العاملِ الأوَّلِ في لفظِ المعمولِ أنْ تَعْطِفَ عليه الجملةَ الأُولَى، وهي جُملةُ العاملِ الأوَّلِ معَ معمولِه قبلَ تَمَامِها، والعطفُ قبلَ تمامِ المعطوفِ عليه خلافُ الأصلِ.
ورأَى الكُوفِيُّونَ أنَّ إعمالَ الأوَّلِ أَوْلَى مِن إعمالِ الثاني؛ لعِلَّتَيْنِ:
الأُولى: أنه أَسْبَقُ وأَقْدَمُ ذِكْرًا، وهي العِلَّةُ التي ذَكَرَها الشارِحُ.
والثانيةُ: أنه يَتَرَتَّبُ على إعمالِ العاملِ الثاني في لفظِ المعمولِ المذكورِ أنْ تُضْمِرَ ضَميرًا في العاملِ الأوَّلِ مِنهما، فيكونَ في الكلامِ الإضمارُ قبلَ الذِّكْرِ، وهو غيرُ جائزٍ عندَهم، وخلافُ الأصلِ عندَ البَصريِّينَ.
ولكلِّ فَرِيقٍ مِن الفريقيْنِ مُسْتَنَدٌ مِن السماعِ عن العربِ.
ثم إنه قد يُوجَدُ في الكلامِ ما يُوجِبُ إعمالَ الثاني؛ كما في قولِكَ: ضَرَبْتُ، بل أَكْرَمْتُ زَيْدًا، وقد يُوجَدُ فيه ما يُوجِبُ إعمالَ الأوَّلِ؛ كما في قولِكَ: لا أَكْرَمْتُ ولا قَدَّمْتُ زَيْدًا.