الصفحة 367 من 811

التَّنَازُعُ في العَمَلِ

إنْ عَامِلانِ اقْتَضَيَا في اسمٍ عَمَلْ ... قَبْلُ فللواحدِ مِنْهُمَا العَمَلْ [1]

والثانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ ... واخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ [2]

التنازُعُ عبارةٌ عن تَوَجُّهِ عامليْنِ إلى معمولٍ واحدٍ [3] ، نحوُ: (ضَرَبْتُ وأَكْرَمْتُ زيدًا) ، فكلُّ واحدٍ مِن (ضَرَبْتُ) و (أَكْرَمْتُ) يَطْلُبُ (زيدًا) بالمفعوليَّةِ، وهذا معنى قولِه: (إنْ عاملانِ ... إلى آخرِه) ، وقولُه: (قبلُ) معناه: أنَّ العامليْنِ يكونانِ قبلَ المعمولِ كما

(1) (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، (عَامِلاَنِ) فاعلٌ لِفِعْلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بعدَه، والتقديرُ: إنِ اقْتَضَى عاملانِ، (اقْتَضَيَا) فِعْلٌ وفاعلٌ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ مُفَسِّرَةٌ، (في اسمٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باقْتَضَى، (عَمَلْ) مفعولٌ به لاقْتَضَى، وقد وَقَفَ عليه بالسكونِ على لُغَةِ رَبِيعَةَ، (قَبْلُ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ باقْتَضَى، أو بمحذوفٍ يَقَعُ حالًا من قولِهِ: عامِلانِ؛ أي: حالَ كونِ هذيْنِ العامليْنِ واقعيْنِ قبلَ الاسمِ، وقبلُ مَبْنِيٌّ على الضمِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ، (فَلِلْوَاحِدِ) الفاءُ لِرَبْطِ الجوابِ بالشرطِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (مِنْهُمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن الواحدِ، (العَمَلْ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.

(2) (والثاني) مبتدأٌ، (أَوْلَى) خبرُ المُبْتَدَأِ، (عِنْدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بأَوْلَى، وعندَ مضافٌ و (أَهْلِ) مضافٌ إليه، وأهلِ مضافٌ و (البَصْرَهْ) مضافٌ إليه، (وَاخْتَارَ) فِعْلٌ ماضٍ، (عَكْسًا) مفعولٌ به لاخْتَارَ، (غَيْرُهُمْ) غيرُ: فاعلُ اخْتَارَ، وغيرُ مضافٌ وضميرُ الغائبينَ مضافٌ إليه، (ذَا) حالٌ مِن غَيْرُهُمْ، وذا مضافٌ و (أُسْرَهْ) مضافٌ إليه، وهو بِضَمِّ الهمزةِ، والمرادُ به ذا قُوَّةٍ، وأصلُه ـ بضمِّ الهمزةِ ـ الدِّرْعُ الحَصِينَةُ، أو قَوْمُ الرَّجُلِ ورَهْطُهُ الأقرَبُونَ، ويجوزُ فتحُ الهمزةِ، والأَسْرَةُ ـ بالفتحِ ـ الجماعةُ القويَّةُ.

(3) قد يكونُ العاملانِ المتنازِعانِ فِعْلَيْنِ، ويُشْتَرَطُ فيهما حينَئذٍ: أنْ يكونا مُتَصَرِّفَيْنِ، نحوُ قولِهِ تعالَى: {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} . وقد يكونانِ اسميْنِ، ويُشْتَرَطُ فيهما حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَا مُشْبِهَيْنِ للفِعْلِ في العملِ، وذلك بأنْ يَكُونا اسْمَيْ فاعليْنِ، نحوُ قولِ الشاعِرِ:

* عُهِدْتَ مُغِيثًا مُغْنِيًا مَنْ أَجَرْتَهُ *

فمَن اسمٌ مَوْصُولٌ تَنَازَعَه كلٌّ مِن مُغِيثٍ ومُغْنٍ. أو بأنْ يكونا اسْمَيْ مَفْعُولٍ؛ كقولِ كُثَيِّرٍ:

قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ ... وعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غَرِيمُهَا

أو بأنْ يَكُونَا مَصْدَرَيْنِ؛ كقَوْلِكَ: عَجِبْتُ مِن حُبِّكَ وتقديرِكَ زَيْدًا، أو بأنْ يَكُونَا اسْمَيْ تَفْضِيلٍ؛ كقولِكَ: زَيْدٌ أَضْبَطُ الناسِ وأَجْمَعُهُم للعِلْمِ، أو بأنْ يكونا صِفَتَيْنِ مُشَبَّهَتَيْنِ، نحوُ قَوْلِكَ: زَيْدٌ حَذِرٌ وكَرِيمٌ أَبُوهُ، أو بأنْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ، فمثالُ الفعلِ واسمِ الفعلِ قولُه تعالى: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ} ، ومثالُ الفعلِ والمصدرِ قولُ الشاعِرِ:

لَقَدْ عَلِمَتْ أُولَى المُغِيرَةِ أَنَّنِي ... لَقِيتُ فَلَمْ أَنْكُلْ عَنِ الضَّرْبِ مِسْمَعَا

فقولُه: (مِسْمَعَا) اسمُ رَجُلٍ، وقد تَنَازَعَه مِن حيثُ العملُ كلٌّ مِن (لَقِيتُ) و (الضَّرْبِ) .

ومنه تَعْلَمُ أنه لا تَنَازُعَ بينَ حرفيْنِ، ولا بينَ فعليْنِ جامديْنِ، ولا بينَ اسميْنِ غيرِ عامليْنِ، ولا بينَ فعلٍ متصرِّفٍ وآخَرَ جامِدٍ، أو فِعْلٍ متصرِّفٍ واسمٍ غيرِ عامِلٍ.

ويُشْتَرَطُ في العامِلَيْنِ ـ سِوَى ما فَصَّلْنَا ـ شرطٌ ثانٍ، هو: أنْ يكونَ بينَهما ارتباطٌ، فلا يجوزُ أنْ تقولَ: (قامَ قَعَدَ أخوكَ) ؛ إذ لا ارْتِبَاطَ بينَ الفعليْنِ.

والارتباطُ يَحْصُلُ بواحدٍ مِن ثلاثةِ أُمُورٍ:

الأوَّلُ: أنْ يُعْطَفَ ثانيهما على أَوَّلِهما بحرفٍ مِن حروفِ العَطْفِ، كما رَأَيْتَ في الأمثلةِ التي سُقْنَاهَا.

الثاني: أنْ يكونَ أَوَّلُهما عامِلًا في ثانيهما، نحوُ قولِهِ تعالى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ} العاملانِ هما ظَنُّوا وظَنَنْتُمْ، والمعمولُ المتنازَعُ فيه هو {أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ} ، و {كَمَا ظَنَنْتُمْ} معمولٌ لِظَنُّوا؛ لأنَّه صِفَةٌ لمصدرٍ يَقَعُ مَفعولًا مُطلقًا ناصِبُه {ظَنُّوا} .

الثالثُ: أنْ يكونَ جَوَابًا للأوَّلِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} ، ونحوُ قولِهِ جلَّ شَأْنُهُ: {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} .

ويُشْتَرَطُ في العامليْنِ أيضًا: أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ مِنهما مُوَجَّهًا إلى المعمولِ مِن غيرِ فسادٍ في اللفظِ أو في المعنى، فخَرَجَ بذلك نحوُ قولِ الشاعِرِ:

* أَتَاكَ أَتَاكَ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ *

فليسَ كلُّ واحدٍ مِن (أتاكَ أتاكَ) مُوَجَّهًا إلى قولِهِ: (اللاحِقُونَ) ؛ إذ لو تَوَجَّهَ كلُّ واحدٍ إليه لقالَ: أَتَوْكَ أَتَاكَ اللاحِقُونَ، أو لقالَ: أتَاكَ أتَوْكَ اللاحقونَ، بل المُتَوَجِّهُ إليه مِنهما هو الأوَّلُ، والثاني تأكيدٌ له، وخَرَجَ قولُ امْرِئِ القَيْسِ بنِ حُجْرٍ الكِنْدِيِّ:

ولَوْ أَنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي، ولم أَطْلُبْ، قَلِيلٌ مِنَ المالِ

وذلك لأنَّ كلاًّ مِن (كَفَانِي) و (لم أَطْلُبْ) ليسَ مُتَوَجِّهًا إلى قولِه: (قليلٌ من المالِ) ؛ إذ لو كانَ كلٌّ مِنهما مُتَوَجِّهًا إليه لصارَ حاصلُ المعنى: كَفَانِي قليلٌ مِن المالِ ولم أَطْلُبْ هذا القليلَ، وكيف يَصِحُّ ذلك وهو يقولُ بعدَ هذا البيتِ:

ولَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِي

وإنما قولُه: (قليلٌ مِن المالِ) فاعِلُ كَفَى، وهو وحدَه المتوجِّهُ إلى العملِ فيه، وأمَّا قولُه: (ولم أَطْلُبْ) فله معمولٌ محذوفٌ يُفْهَمُ من مجموعِ الكلامِ، والتقديرُ: كفاني قليلٌ مِن المالِ ولم أَطْلُبِ المُلْكَ.

ويُشْتَرَطُ في العامليْنِ أيضًًا: أنْ يكونا مُتَقَدِّمَيْنِ على المعمولِ؛ كالأمثلةِ التي ذَكَرْنَاهَا والتي ذَكَرَها الشارِحُ، فإنْ تَقَدَّمَ المعمولُ فإمَّا أنْ يكونَ مَرْفُوعًا، وإمَّا أنْ يكونَ منصوبًا، فإنْ تَقَدَّمَ وكانَ مرفوعًا، نحوُ قولِكَ: (زيدٌ قامَ وقَعَدَ) ، فلا عَمَلَ لأحدِ العامليْنِ فيه، بل كلُّ واحدٍ مِنهما عاملٌ في ضميرِه، وإنْ كانَ منصوبًا، نحوُ قولِكَ: (زَيْدًا ضَرَبْتُ وأَهَنْتُ) ، فالعاملُ فيه هو أوَّلُ العامليْنِ، وللثاني منهما معمولٌ محذوفٌ يَدُلُّ عليه المذكورُ، أو لا معمولَ له أصلًا، وإنْ تَوَسَّطَ المعمولُ بينَ العامليْنِ، نحوُ قولِكَ: (ضَرَبْتُ زَيْدًا وأَهَنْتُ) فهو معمولٌ للسابقِ عليه مِنهما، وللمتأخِّرِ عنه معمولٌ محذوفٌ يَدُلُّ عليه المذكورُ، وقد أشارَ الشارِحُ إشارةً وَجِيزَةً إلى هذا الشرطِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت