الصفحة 378 من 811

والحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلاَ ... مِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلاَ [1]

يُحْذَفُ عاملُ المصدرِ وُجُوبًا في مواضِعَ:

منها: إذا وَقَعَ المصدرُ بَدَلًا مِن فِعْلِه، وهو مَقِيسٌ في الأمرِ والنهيِ، نحوُ: (قِيَامًا لا قُعُودًا) ؛ أي: قُمْ قِيَامًا ولا تَقْعُدْ قُعُودًا، والدعاءِ نحوُ: (سَقْيًا لَكَ) ؛ أي: سَقَاكَ اللهُ.

وكذلك يُحْذَفُ عاملُ المصدرِ وُجُوبًا إذا وَقَعَ المصدرُ بعدَ الاستفهامِ المقصودِ به التوبيخُ، نحوُ: (أَتَوَانِيًا وقد عَلاَكَ المَشِيبُ؟) ؛ أي: أَتَتَوَانَى وقد عَلاَكَ [2] .

ويَقِلُّ حَذْفُ عاملِ المصدرِ وإقامةُ المصدرِ مُقامَه في الفعلِ المقصودِ به الخبرُ، نحوُ: (أَفْعَلُ وكَرَامَةً) ؛ أي: وأُكْرِمُكَ.

فالمصدرُ في هذه الأمثلةِ ونحوِها منصوبٌ بفِعْلٍ محذوفٍ وُجُوبًا، والمصدرُ نائبٌ منابَه في الدَّلالةِ على معناه، وأشارَ بقولِهِ: (كَنَدْلًا) إلى ما أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، وهو قولُ الشاعِرِ:

162 -يَمُرُّونَ بِالدَّهْنَا خِفَافًا عِيَابُهُمْ ... ويَرْجِعْنَ مِنْ دَارِينَ بُجْرَ الْحَقَائِبِ

على حِينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهِمْ ... فَنَدْلًا زُرَيْقُ الْمَالَ نَدْلَ الثعالِبِ [3]

(1) (والحَذْفُ حَتْمٌ) مبتدأٌ وخَبَرٌ، (مَعَ) ظرفٌ منصوبٌ على الظرفيَّةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالخَبَرِ، ومعَ مضافٌ و (آتٍ) مُضَافٌ إليهِ، (بَدَلاَ) حالٌ مِن الضميرِ المستَتِرِ في آتٍ، (مِن فِعْلِهِ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: بَدَلاَ، وفِعْلِ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (كَنَدْلًا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أو حالٍ مِن الضميرِ المستترِ في آتٍ، (اللَّذْ) اسمٌ مَوْصُولٌ صِفَةٌ لِنَدْلًا، (كَانْدُلاَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةُ الموصولِ، والكافُ في (كَنَدْلًا) وفي كَانْدُلاَ داخلةٌ على مقصودٍ لَفْظُه، فكلٌّ مِنهما مجرورٌ بكسرةٍ مُقَدَّرَةٍ على آخرِهِ، مَنَعَ مِن ظُهُورِهَا الحكايةُ.

(2) اعْلَمْ أنَّ المصدرَ الآتِيَ بَدَلًا مِن فِعْلٍ على ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهما: المرادُ به طَلَبٌ، وثانيهما: المرادُ به خَبَرٌ، فأمَّا المرادُ به طَلَبٌ فأربعةُ أنواعٍ: الأوَّلُ: ما كانَ المرادُ به الأمرَ؛ كبَيْتِ الشاهدِ الآتي (رَقْمِ 162) ، والثاني: ما كانَ المرادُ به النهيَ؛ كقَوْلِكَ: قِيَامًا لا قُعُودًا، والثالثُ: ما كانَ المرادُ به الدعاءَ، نحوُ: سَقْيًا لكَ، والرابِعُ: ما كانَ المرادُ به التوبيخَ؛ كقولِهِم: أَتَوَانِيًا وقد جَدَّ الجِدُّ؟

وأمَّا المرادُ به خبرٌ فعلى ضَرْبَيْنِ: سَمَاعِيٍّ، ومَقِيسٍ، فأمَّا السماعيُّ فنحوُ قولِهِم: لا أَفْعَلُ ولا كَرَامَةَ، وأما المَقِيسُ فهو أنواعٌ كثيرةٌ: منها ما ذُكِرَ تَفْصِيلًا لعاقِبَةِ جملةٍ قَبْلَه، ومنها ما كانَ مُكَرَّرًا، أو مَحْصُورًا، ومنها ما جاءَ مُؤَكِّدًا لنفسِه، أو لغيرِه، وقد تَكَفَّلَ الشارِحُ بِبَيَانِ ذلك النوعِ بَيَانًا وَافِيًا.

(3) البيتانِ لأَعْشَى هَمْدَانَ، مِن كَلِمَةٍ يَهْجُو فيها لُصُوصًا.

اللغةُ: (الدَّهْنَا) يُقْصَرُ ويُمَدُّ: موضِعٌ مَعروفٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، (عِيَابُهُم) العِيَابُ: جَمْعُ عَيْبَةٍ، وهي وِعَاءُ الثيابِ، (دَارِينَ) قريةٌ بالبَحْرَيْنِ مشهورةٌ بالمِسْكِ، وفيها سُوقٌ، (بُجْرَ) بضمٍّ فسكونٍ: جمعُ بَجْرَاءَ، وهي الممتلِئَةُ، والحقائبُ جَمْعُ حَقِيبَةٍ، وهي هنا العَيْبَةُ أيضًًا، (أَلْهَى الناسَ) شَغَلَهُم وأَوْرَثَهُمُ الغَفْلَةَ، (جُلُّ أُمُورِهِمْ) بضمِّ الجيمِ وتشديدِ اللامِ: مُعْظَمُها وأَكْثَرُها، (نَدْلًا) خَطْفًا في خِفَّةٍ وسُرْعَةٍ.

المعنى: هؤلاءِ اللصوصُ يَمُرُّونَ بالدَّهْنَاءِ في حِينِ ذَهَابِهِم إلى دَارِينَ، وقد صَفِرَتْ عِيَابُهُم مِن المتاعِ، فلا شيءَ فيها، ولكنَّهم عندَما يَعُودُونَ مِن دَارِينَ يكونون قد مَلَؤُوا هذه العِيَابَ حتى انْتفَخَتْ وعَظُمَتْ، وذلك ناشئٌ مِن أنهم يَخْتَلِسُونَ غَفْلَةَ الناسِ بِمَهَامِّهِم وبِمُعْظَمِ أُمُورِهِم، فيَسْطُونَ على ما غَفَلُوا عنه مِن المَتَاعِ، ويُنَادِي بَعْضُهم بَعْضًا: اخْطَفْ خَطْفًا سريعًا، وكُنْ خَفِيفَ اليَدِ سَرِيعَ الرَّوَغَانِ.

الإعرابُ: (يَمُرُّونَ) فِعْلٌ وفاعلٌ، (بِالدَّهْنَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَمُرُّ، (خِفَافًا) حالٌ من الفاعلِ، (عِيَابُهُمْ) عِيَابُ: فاعلٌ لخِفَافٍ، وعِيَابُ مضافٌ وضميرُ الغائبينَ مُضَافٌ إليهِ، (ويَرْجِعْنَ) فِعْلٌ وفاعلٌ، والتعبيرُ بنونِ الإناثِ في قَوْلِهِ: (يَرْجِعْنَ) لتأويلِهم بالجماعةِ، أو لِقَصْدِ تَحْقِيرِهم، (مِن دَارِينَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، (بُجْرَ) حالٌ من الفاعلِ، وبُجْرَ مضافٌ و (الحقائبِ) مُضَافٌ إليهِ، (على) حرفُ جرٍّ، (حِينَ) ظرفُ زَمَانٍ مَبْنِيٌّ على الفتحِ في مَحَلِّ جرٍّ، أو مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، (أَلْهَى) فِعْلٌ ماضٍ، (الناسَ) مفعولٌ بِه لأَلْهَى تَقَدَّمَ على فاعلِه، (جُلُّ) فاعلُ أَلْهَى، وجُلُّ مضافٌ وأُمُورِ مِن (أُمُورِهِمْ) مُضَافٌ إليهِ، وأمورِ مضافٌ وضميرُ الغائبينَ مُضَافٌ إليهِ، (فَنَدْلًا) مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، (زُرَيْقُ) مُنَادًى بحرفِ نِداءٍ محذوفٍ، وجملةُ النداءِ مُعْتَرِضَةٌ لا مَحَلَّ لها، (المالَ) مفعولٌ به لقولِهِ: (نَدْلًا) السابقِ، (نَدْلَ) مفعولٌ مطلقٌ مُبَيِّنٌ للنوعِ، ونَدْلَ مضافٌ و (الثعالبِ) مُضَافٌ إليهِ.

الشاهدُ فيه: قولُهُ (فَنَدْلًا) ؛ حيثُ نابَ مَنَابَ فِعْلِه، وهو مصدرٌ، وعاملُه محذوفٌ وُجُوبًا، على ما تَبَيَّنَ لك في الإعرابِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت