فهرس الكتاب
لا يَجُوزُ تَثْنِيَةُ المصدرِ المؤكِّدِ لعاملِهِ، ولا جَمْعُه، بل يَجِبُ إفرادُه، فتقولُ: (ضَرَبْتُ ضَرْبًا) ؛ وذلك لأنَّه بِمَثَابَةِ تَكَرُّرِ الفعلِ، والفعلُ لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ.
وأما غيرُ المؤكِّدِ، وهو المُبَيِّنُ للعددِ والنوعِ، فذَكَرَ المصنِّفُ أنه يَجُوزُ تثنيتُه وجمعُه.
فأمَّا المُبَيِّنُ للعددِ فلا خلافَ في جوازِ تثنيتِه وجمعِه، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضربتيْنِ وضَرَبَاتٍ) .
وأمَّا المُبَيِّنُ للنوعِ فالمشهورُ أنه يَجُوزُ تَثْنِيَتُه وجمعُه إذا اخْتَلَفَتْ أنواعُه، نحوُ: (سِرْتُ سَيْرَيْ زَيْدٍ؛ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ) .
وظاهرُ كلامِ سِيبَوَيْهِ أنه لا يَجُوزُ تَثْنِيَتُه ولا جَمْعُه قِياسًا، بل يُقْتَصَرُ فيه على السماعِ، وهذا اختيارُ الشَّلَوْبِينِ.
وحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ ... وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ [1]
المصدرُ المؤكِّدُ لا يَجُوزُ حذفُ عاملِه؛ لأنَّه مَسُوقٌ لتقريرِ عاملِه وتَقْوِيَتِهِ، والحذفُ مُنَافٍ لذلك.
وأمَّا غيرُ المؤكِّدِ فيُحْذَفُ عاملُه؛ للدَّلالةِ عليه جَوَازًا ووُجُوبًا.
فالمحذوفُ جَوَازًا كقولِكَ: (سَيْرَ زَيْدٍ) لِمَن قالَ: (أيَّ سَيْرٍ سِرْتَ؟) ، و (ضَرْبَتَيْنِ) لِمَن قالَ: (كم ضَرَبْتَ زَيْدًا؟) ، والتقديرُ: (سِرْتُ سَيْرَ زَيْدٍ، وضَرَبْتُهُ ضَرْبَتَيْنِ) .
وقولُ ابنِ المُصَنِّفِ: إنَّ قولَه: (وحذفُ عَامِلِ المؤكِّدِ امْتَنَعْ) سَهْوٌ منه؛ لأنَّ قولَكَ: (ضَرْبًا زيدًا) مصدرٌ مؤكِّدٌ، وعاملُه محذوفٌ وُجُوبًا، كما سيأتي - ليسَ بصحيحٍ [2] ، وما اسْتَدَلَّ به على دَعْوَاهُ مِن وُجُوبِ حذفِ عاملِ المؤكِّدِ بما سيأتي ليسَ منه؛ وذلك لأنَّ (ضَربًا زيدًا) ليسَ من التأكيدِ في شيءٍ، بل هو أمرٌ خالٍ مِن التأكيدِ، بمثابةِ: (اضْرِبْ زَيْدًا) ؛ لأنَّه واقعٌ مَوْقِعَه، فكما أنَّ (اضْرِبْ زيدًا) لا تأكيدَ فيه، كذلك ضَرْبًا زيدًا.
وكذلك جميعُ الأمثلةِ التي ذَكَرَها لَيْسَتْ مِن بابِ التأكيدِ في شيءٍ؛ لأنَّ المصدرَ فيها نائبٌ مَنَابَ العاملِ دالٌّ على ما يَدُلُّ عليه، وهو عِوَضٌ منه، ويَدُلُّ على ذلك عدمُ جوازِ الجمعِ بينَهما، ولا شيءَ مِن المؤكِّدَاتِ يَمْتَنِعُ الجمعُ بينَها وبينَ المؤكَّدِ.
وممَّا يَدُلُّ أيضًا على أنَّ (ضَرْبًا زَيْدًا) ونحوَه ليسَ مِن المصدرِ المؤكِّدِ لعاملِه، أنَّ المصدرَ المؤكِّدَ لا خِلافَ في أنه لا يَعْمَلُ، واخْتَلَفُوا في المصدرِ الواقعِ موقعَ الفعلِ هل يَعْمَلُ أو لا؟
والصحيحُ أنه يَعْمَلُ؛ فـ (زيدًا) في قولِكَ: (ضَرْبًا زَيدًا) منصوبٌ بـ (ضَرْبًا) على الأصحِّ، وقيلَ: إنه منصوبٌ بالفعلِ المحذوفِ، وهو (اضْرِبْ) .
فعلى القولِ الأوَّلِ نابَ (ضَرْبًا) عن (اضْرِبْ) في الدَّلالةِ على معناه وفي العملِ، وعلى القولِ الثاني نابَ عنه في الدَّلالةِ على المعنى دونَ العملِ.
(1) (وحَذْفُ) مبتدأٌ، وحَذْفُ مضافٌ، و (عامِلِ) مُضَافٌ إليهِ، وعامِلِ مضافٌ و (المُؤَكِّدِ) مضافٌ إليه، (امْتَنَعْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى حَذْفُ، والجملةُ مِن امْتَنَع وفاعلِه في مَحَلِّ رَفْعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ، (وفي سِوَاهُ) الواوُ حَرْفُ عَطْفٍ، وما بعدَها جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وسِوَى مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (لِدَلِيلٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَّسَع، (مُتَّسَعْ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
(2) جملةُ (ليسَ بصحيحٍ) ، خبرُ المُبْتَدَأِ الذي هو قولُه: (وقولُ ابنِ المُصَنِّفِ) .