فهرس الكتاب
قد ينوبُ عن المصدرِ ما يَدُلُّ عليه؛ ككُلٍّ وبَعْضٍ مضافيْنِ إلى المصدرِ، نحوُ: (جِدَّ كلَّ الجِدِّ) [1] ، وكقولِهِ تعالى: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} ، و (ضَرَبْتُه بعضَ الضربِ) .
وكالمصدرِ المرادِفِ لمصدرِ الفعلِ المذكورِ [2] ، نحوُ: (قَعَدْتُ جُلُوسًا، وافْرَحِ الجَذَلَ) ، فالجلوسُ نائبٌ مَنَابَ القعودِ؛ لِمُرَادَفَتِهِ له، والجَذَلُ نَائِبٌ مَنَابَ الفَرَحِ؛ لِمُرَادَفَتِهِ له.
وكذلك ينوبُ منابَ المصدرِ اسمُ الإشارةِ، نحوُ: (ضَرَبْتُهُ ذلكَ الضَّرْبَ) ، وزَعَمَ بعضُهم أنه إذا نابَ اسمُ الإشارةِ منابَ المصدرِ فلا بُدَّ مِن وَصْفِهِ بالمصدرِ؛ كما مَثَّلْنَا، وفيه نَظَرٌ؛ فمِن أمثلةِ سِيبَوَيْهِ: (ظَنَنْتُ ذَاكَ) ؛ أي: ظَنَنْتُ ذَاكَ الظنَّ، فذاكَ إشارةٌ إلى الظنِّ، ولم يُوصَفْ به.
وينوبُ عن المصدرِ أيضًا ضميرُه، نحوُ: (ضَرَبْتُهُ زَيْدًا) ؛ أي: ضَرَبْتُ الضربَ، ومنه قولُه تعالى: {لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} ؛ أي: لا أُعَذِّبُ العذابَ.
وعَدَدُهُ، نحوُ: (ضَرَبْتُهُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً) ، ومنه قولُه تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} .
والآلةُ، نحوُ: (ضَرَبْتُهُ سَوْطًا) ، والأصلُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ سَوْطٍ، فحُذِفَ المضافُ وأُقِيمَ المضافُ إليه مُقَامَه، واللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وما لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا ... وثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ وَأَفْرِدَا [3]
(1) ومنه قولُ مَجْنُونِ بني عامِرٍ قَيْسِ بنِ المُلَوَّحِ:
وقد يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَمَا ... يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لاَ تَلاَقِيَا
(2) اعْلَمْ أنه إذا وَقَعَ المصدرُ المنصوبُ بعدَ فعلٍ مِن معناه، لا مِن لفظِه، فلكَ في إعرابِه ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَهُ مفعولًا مُطْلَقًا، والنُّحَاةُ في هذا الوجهِ مِن الإعرابِ على مذهبيْنِ؛ فذَهَبَ المَازِنِيُّ والسِّيرَافِيُّ والمُبَرِّدُ إلى أنَّ العاملَ فيه هو نَفْسُ الفعلِ السابقِ عليه، واختارَ ابنُ مالِكٍ هذا القولَ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ والجمهورُ إلى أنَّ العاملَ فيه فِعْلٌ آخَرُ من لفظِ المصدرِ، وهذا الفعلُ المذكورُ دليلٌ على المحذوفِ.
الثاني: أنْ تَجْعَلَ المصدرَ مَفْعُولًا لأجلِهِ إنْ كانَ مُسْتَكْمِلًا لشروطِ المفعولِ لأجلِهِ.
الثالِثُ: أنْ تَجْعَلَ المصدرَ حَالًا بتأويلِ المشتَقِّ، فإذا قُلْتَ: (فَرِحْتُ جَذَلًا) فجَذَلًا: عندَ المَازِنِيِّ ومَن معَه مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ بفَرِحْتُ، وعندَ سِيبَوَيْهِ مفعولٌ مُطْلَقٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، وتقديرُ الكلامِ على هذا: فَرِحْتُ وجَذِلْتُ جَذَلًا، وعلى الوجهِ الثاني هو مفعولٌ لأجلِه، بتقديرِ: فَرِحْتُ لأجلِ الجَذَلِ، وعلى الوجهِ الثالثِ حالٌ، بتقديرِ: فَرِحْتُ حالَ كَوْنِي جَذْلاَنَ.
(3) (وما) اسمٌ مَوْصُولٌ مفعولٌ مُقَدَّمٌ على عاملِه، وهو (وَحِّد) الآتي، (لِتَوْكِيدٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِلَةُ ما، (فَوَحِّد) الفاءُ زائدةٌ، ووَحِّدْ: فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (أَبَدَا) منصوبٌ على الظرفيَّةِ، (وَثَنِّ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفيه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ وُجُوبًا هو فاعلُه، (وَاجْمَعْ) مَعْطُوفٌ على ثَنِّ، (غَيْرَهُ) تَنَازَعَهُ كلٌّ مِن ثَنِّ واجْمَعْ، (وَأَفْرِدَا) الواوُ حرفُ عطفٍ، وأَفْرِد: فِعْلُ أَمْرٍ مؤكَّدٌ بالنونِ الخفيفةِ، وقُلِبَتْ نونُ التوكيدِ أَلِفًا للوقفِ، وفيه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ هو فاعِلُه.