فهرس الكتاب
ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ المصدرَ أصلٌ، والفعلَ والوصفَ مُشْتَقَّانِ منه، وهذا معنى قولِه: (وكَوْنُهُ أَصْلًا لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ) ؛ أي: المختارُ أنَّ المصدرَ أصلٌ لهذيْنِ؛ أي: الفِعْلِ والوصفِ، ومذهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ الفعلَ أصلٌ، والمصدرَ مُشْتَقٌّ مِنه.
وذَهَبَ قومٌ إلى أنَّ المصدرَ أصلٌ، والفعلَ مُشْتَقٌّ منه، والوصفَ مُشْتَقٌّ مِن الفعلِ.
وذَهَبَ ابنُ طَلْحَةَ إلى أنَّ كُلاًّ مِن المصدرِ والفعلِ أصلٌ برأسِه، وليسَ أَحَدُهما مُشْتَقًّا مِن الآخَرِ.
والصحيحُ المذهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ كلَّ فَرْعٍ يَتَضَمَّنُ الأصلَ وزيادةً، والفعلُ والوصفُ بالنسبةِ إلى المصدرِ كذلك؛ لأنَّ كُلاًّ مِنهما يَدُلُّ على المصدرِ وزيادةٍ، فالفعلُ يَدُلُّ على المصدرِ والزمانِ، والوصفُ يَدُلُّ على المصدرِ والفاعلِ.
تَوْكِيدًا اوْ نَوْعًا يُبِينُ أَوْ عَدَدْ ... كَسِرْتُ سَيْرَتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَدْ [1]
المفعولُ المُطْلَقُ يَقَعُ على ثلاثةِ أحوالٍ كما تَقَدَّمَ:
أَحَدُها: أنْ يكونَ مُؤَكِّدًا، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضَرْبًا) .
الثاني: أنْ يكونَ مُبَيِّنًا للنوعِ [2] ، نحوُ: (سِرْتُ سَيْرَ ذي رَشَدٍ) ، و (سِرْتُ سَيْرًا حَسَنًا) .
الثالِثُ: أنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا للعددِ، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضَرْبَةً وضربتيْنِ وضَرَبَاتٍ) .
وقد يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلْ ... كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ [3]
(1) (تَوْكِيدًا) مفعولٌ به مُقَدَّمٌ لِيُبِينُ، (أَوْ نَوْعًا) معطوفٌ عليه، (يُبِينُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى المصدرِ، (أو عَدَدْ) مَعْطُوفٌ على قولِهِ: (نَوْعًا) السابقِ، ووَقَفَ عليه بالسكونِ على لُغَةِ رَبِيعَةَ، (كَسِرْتُ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ كما سَبَقَ مِرارًا، سِرْتُ: فعلٌ وفاعلٌ، (سَيْرَتَيْنِ) مفعولٌ مُطْلَقٌ يُبَيِّنُ العددَ، (سَيْرَ) مفعولٌ مُطْلَقٌ يُبَيِّنُ النوعَ، وسَيْرَ مضافٌ و (ذي) بمعنى صاحبٍ مُضَافٌ إليهِ، وذي مضافٌ و (رَشَدْ) مُضَافٌ إليهِ، مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ، وسَكَّنَهُ للوقفِ.
(2) المفعولُ المُطْلَقُ الذي يُبَيِّنُ نَوْعَ عاملِه هو: ما يكونُ على واحدٍ مِن ثلاثةِ أحوالٍ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ مُضَافًا، نحوُ قولِكَ: اعْمَلْ عَمَلَ الصالحينَ، وجِدَّ جِدَّ الحريصِ على بُلُوغِ الغايةِ. وهذا النوعُ مِن بابِ النيابةِ عن مصدرِ الفعلِ نفسِه؛ لاستحالةِ أنْ يَفْعَلَ إنسانٌ فِعْلَ غيرِه، وإنما يَفْعَلُ فِعْلًا مُمَاثِلًا لِفِعْلِ غَيْرِهِ، فالحقيقةُ في هذين المثاليْنِ أنْ تقولَ: اعْمَلْ عَمَلًا مُشَابِهًا لِعَمَلِ الصالحينَ، وجِدَّ جِدًّا مُمَاثِلًا لِجِدِّ الحريصِ.
الثاني: أنْ يكونَ مَوْصُوفًا، نحوُ قَوْلِكَ: اعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا، وسِرْتُ سَيْرًا وَئِيدًا، وليسَ هذا من بابِ النيابةِ قَطْعًا.
الثالثُ: أنْ يكونَ مَقْرُونًا بألِ العَهْدِيَّةِ، نحوُ قولِكَ: اجْتَهَدْتُ الاجتهادَ، وجَدَدْتُ الجِدَّ، وهذا يَحْتَمِلُ الأمريْنِ جَمِيعًا، فإذا كانَ المعهودُ بينَ المتكلِّمِ والمخاطَبِ فِعْلَ شخصٍ آخَرَ، كانَ من بابِ النيابةِ، وكأنَّ المُتَكَلِّمَ يقولُ: اجْتَهَدْتُ اجْتِهَادًا مثلَ ذلك الاجتهادِ الذي تَعْلَمُ أنَّ فُلانًا قد اجْتَهَدَهُ، وإنْ كانَ المعهودُ بينَهما هو اجتهادَ المتكلِّمِ نفسِه، وأنه قَصَدَ بِدُخُولِ ألْ عليه اسْتِحْضَارَ صُورَتِهِ، لم يَكُنْ مِن بابِ النيابةِ؛ لأنَّه فِعْلُه.
(3) (وقد) هنا حرفُ تَحْقِيقٍ، (يَنُوبُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، (عنه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بيَنُوبُ، (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ: فاعلُ يَنُوبُ مَبْنِيٌّ على السكونِ في مَحَلِّ جَرٍّ، (عليه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِدَلَّ الآتي، (دَلْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ما، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ ما، (كجِدَّ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، جِدَّ: فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (كُلَّ) مفعولٌ مُطْلَقٌ، نائبٌ عن المصدرِ، منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، وكلَّ مضافٌ و (الجِدِّ) مُضَافٌ إليهِ، (وافْرَح) الواوُ حرفُ عطفٍ، افْرَح: فِعْلُ أَمْرٍ، والفاعلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (الجَذَلْ) مفعولٌ مُطْلَقٌ.