الصفحة 374 من 811

المفعولُ المُطْلَقُ

المصدرُ اسْمُ ما سِوَى الزمانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ [1]

الفعلُ يَدُلُّ على شيئيْنِ: الحَدَثِ والزمانِ، فـ (قامَ) يَدُلُّ على قِيَامٍ في زمنٍ ماضٍ، و (يقومُ) يَدُلُّ على قيامٍ في الحالِ أو الاستقبالِ، و (قُمْ) يَدُلُّ على قيامٍ في الاستقبالِ، والقيامُ هو الحَدَثُ، وهو أَحَدُ مَدْلُولَيِ الفِعْلِ، وهو المصدرُ، وهذا معنى قولِه: (ما سِوَى الزمانِ مِن مَدْلُولَيِ الفِعْلِ) .

فكأنه قالَ: المصدرُ اسمُ الحَدَثِ كأَمْنٍ؛ فإنَّه أَحَدُ مدلولَيْ أَمِنَ.

والمفعولُ المُطْلَقُ هو المصدرُ المنتصِبُ توكيدًا لعاملِه أو بيانًا لنوعِه أو عَدَدِه، نحوُ: (ضَرَبْتُ ضَرْبًا، وسِرْتُ سَيْرَ زَيْدٍ، وضَرَبْتُ ضَرْبَتَيْنِ) ، وسُمِّيَ مفعولًا مُطْلَقًا لصِدْقِ (المفعولِ) عليه غيرَ مُقَيَّدٍ بحرفِ جرٍّ ونحوِه، بخلافِ غيرِه مِن المفعولاتِ؛ فإنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ المفعولِ إلا مُقَيَّدًا؛ كالمفعولِ به والمفعولِ فيه والمفعولِ معَه والمفعولِ له.

بِمِثْلِهِ أَوْ فِعْلٍ اوْ وَصْفٍ نُصِبْ ... وكَوْنُهُ أَصْلًا لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ [2]

يَنْتَصِبُ المَصْدَرُ بِمِثْلِهِ؛ أي: بالمصدرِ، نحوُ: (عَجِبْتُ مِن ضَرْبِكَ زيدًا ضربًا شديدًا) ، أو بالفعلِ [3] ، نحوُ: (ضَرَبْتُ زيدًا ضَرْبًا) ، أو بالوصفِ [4] ، نحوُ: (أنا ضارِبٌ زيدًا ضَرْبًا) .

(1) (المَصْدَرُ) مبتدأٌ، (اسْمُ) خبرُ المُبْتَدَأِ، واسمُ مضافٌ و (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ مُضَافٌ إليهِ، (سِوَى) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةُ الموصولِ، وسِوَى مضافٌ و (الزمانِ) مُضَافٌ إليهِ (مِنْ مَدْلُولَي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بما تَعَلَّقَ به سِوَى، ومَدْلُولَي مضافٌ و (الفِعْلِ) مُضَافٌ إليهِ، (كَأَمْنٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: وذلك [كائنٌ] كأَمْنٍ، (مِن أَمِنْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نعتٌ لأَمْنٍ المصدرِ.

(2) (بِمِثْلِهِ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بنُصِبَ الآتي، ومثلِ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (أو فِعْلٍ او وَصْفٍ) معطوفانِ على مِثْلِ، (نُصِبْ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى المصدرِ، (وكَوْنُه) الواوُ عاطفةٌ، كانَ: مبتدأٌ، وكونُ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ من إضافةِ مصدرِ الفعلِ الناقصِ إلى اسمِه، (أَصْلًا) خبرُ الكونِ مِن جِهَةِ النُّقصانِ، (لِهَذَيْنِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: أَصْلًا، أو بمحذوفٍ صفةٌ له، (انْتُخِبْ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى (كونُه أَصْلًا) ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ الذي هو كَوْنُهُ أَصْلًا، وهذا خَبَرُه من جهةِ الابتداءِ.

(3) يُشْتَرَطُ في الفعلِ الذي يَنْصِبُ المفعولَ المُطْلَقَ ثلاثةُ شروطٍ: الأَوَّلُ: أنْ يكونَ مُتَصَرِّفًا، والثاني: أنْ يكونَ تامًّا، والثالثُ: ألاَّ يكونَ مُلْغًى عن العملِ، فإنْ كانَ الفعلُ جامدًا؛ كعَسَى وليسَ وفِعْلِ التعجُّبِ ونِعْمَ وبِئْسَ، أو كانَ ناقصًا؛ ككانَ وأَخَوَاتِها، أو كانَ مُلْغًى كظَنَّ وأَخَوَاتِها، إنْ تَوَسَّطَتْ بينَ المفعوليْنِ أو تَأَخَّرَتْ عنهما، فإنَّه لا يَنْصِبُ المفعولَ المطلَقَ.

(4) يَشْتَرِكُ في الوصفِ الذي يَنْصِبُ المفعولَ المُطْلَقَ شرطانِ: أَحَدُهما: أنْ يكونَ مُتَصَرِّفًا، وثانيهما: أنْ يكونَ إمَّا اسمَ فاعلٍ وإمَّا اسمَ مفعولٍ، وإمَّا صيغةَ مبالغةٍ، فإنْ كانَ اسمَ تفضيلٍ لم يَنْصِبِ المفعولَ المُطْلَقَ بغيرِ خِلافٍ فيما نَعْلَمُ، وأمَّا قولُ الشاعرِ:

أمَّا المُلُوكُ فأنتَ اليومَ أَلأَمُهُمْ ... لُؤْمًا وأَبْيَضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ

فإنَّ قَوْلَه: (لُؤْمًا) مفعولٌ مُطْلَقٌ، لكنَّ ناصِبَه ليسَ هو قولَه (أَلأَمُهُمْ) الذي هو أَفْعَلُ تفضيلٍ، ولكنَّ ناصبَه محذوفٌ، يَدُلُّ عليه (أَلأَمُهُم) ، وتقديرُ الكلامِ على هذا: فأنتَ اليومَ أَلأَمُهُم، تَلْؤُمُ لُؤْمًا.

واخْتَلَفُوا في الصفَةِ المُشَبَّهَةِ، فحَمَلَها قومٌ على أفعلِ التفضيلِ، ومَنَعُوا مِن نَصْبِها المفعولَ المُطْلَقَ، وذَهَبَ ابنُ هِشَامٍ إلى جَوَازِ نَصْبِها إيَّاهُ؛ مُسْتَدِلاًّ بقولِ النابغةِ الذُّبْيَانِيِّ:

وَأَرَانِي طَرِبًا فِي إِثْرِهِمْ ... طَرَبَ الوَالِهِ أَوْ كَالمُخْتَبَلْ

فإنَّ قَوْلَه: (طَرَبَ الوالِهِ) مفعولٌ مُطْلَقٌ، وزَعَمَ أنَّ ناصِبَه قولُه (طَرِبًا) الذي هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وغيرُه يَجْعَلُ هذه الصفةَ المُشَبَّهَةَ دَلِيلًا على العامِلِ، ولَيْسَتْ هي العاملَ، والتقديرُ: أَرَانِي طَرِبًا في إِثْرِهِم أَطْرَبُ طَرَبَ الوَالِهِ ... إلخ، على نَحْوِ ما قالوه في أَفْعَلِ التفضيلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت