فهرس الكتاب
نحوُ: أَظُنُّ وَيَظُنَّانِي أَخَا ... زَيْدًا وعَمْرًا أَخَوَيْنِ فِي الرَّخَا [1]
أي: يَجِبُ أنْ يُؤْتَى بمفعولِ الفعلِ المهمَلِ ظاهرًا إذا لَزِمَ مِن إضمارِه عدمُ مطابقتِه لِمَا يُفَسِّرُه؛ لكونِه خبرًا في الأصلِ عمَّا لا يُطَابِقُ المفسِّرَ، كما إذا كانَ في الأصلِ خبرًا عن مفردٍ ومُفَسِّرُه مثنًّى، نحوُ: (أَظُنُّ ويَظُنَّانِي زيدًا وعمرًا أخويْنِ) ، فـ (زيدًا) مفعولٌ أوَّلُ لأَظُنُّ، و (عمرًا) معطوفٌ عليه، و (أخويْنِ) : مفعولٌ ثانٍ لأَظُنُّ، والياءُ مفعولٌ أوَّلُ لِيَظُنَّانِ، فيحتاجُ إلى مفعولٍ ثانٍ، فلو أَتَيْتَ به ضميرًا فقلتَ: (أَظُنُّ ويَظُنَّانِي إيَّاهُ زيدًا أخويْنِ) لكانَ (إيَّاه) مطابقًا للياءِ في أنهما مُفردانِ، ولكِنْ لا يُطَابِقُ ما يعودُ عليه، وهو (أخويْنِ) ؛ لأنَّه مفردٌ و (أخويْنِ) مُثَنًّى، فتفوتُ مطابقةُ المفسِّرِ للمُفَسَّرِ، وذلك لا يَجُوزُ.
وإنْ قُلْتَ: (أَظُنُّ ويَظُنَّانِي إيَّاهما زيدًا وعمرًا أخويْنِ) حَصَلَتْ مُطَابَقَةُ المفسِّرِ للمفسَّرِ؛ وذلك لكونِ (إيَّاهما) مثنًّى و (أخويْنِ) كذلك، ولكِنْ تَفُوتُ مطابقةُ المفعولِ الثانِي الذي هو خبرٌ في الأصلِ للمفعولِ الأوَّلِ الذي هو مبتدأٌ في الأصلِ؛ لكونِ المفعولِ الأوَّلِ مفردًا، وهو الياءُ، والمفعولِ الثاني غيرَ مفردٍ، وهو إياهما، ولا بُدَّ مِن مطابقةِ الخبرِ للمبتدأِ، فلَمَّا تَعَذَّرَتِ المطابقةُ معَ الإضمارِ وَجَبَ الإظهارُ، فتقولُ: (أَظُنُّ ويَظُنَّانِي أخًا زيدًا وعمرًاَ أَخَوَيْنِ) ، فـ (زيدًا وعمرًا أخويْنِ) مفعولاَ أَظُنُّ، والياءُ مفعولُ يَظُنَّانِ الأوَّلُ، و (أَخًا) مفعولُه الثاني، ولا تكونُ المسألةُ حينَئذٍ مِن بابِ [2] التنازُعِ؛ لأنَّ كلاًّ من العامليْنِ عَمِلَ في ظاهرٍ، وهذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.
وأجازَ الكُوفِيُّونَ الإضمارَ مُرَاعًى به جانبُ المخبَرِ عنه، فتقولُ: (أَظُنُّ ويَظُنَّانِي إيَّاه زيدًا وعَمرًا أَخَوَيْنِ) ، وأَجَازُوا أيضًا الحذفَ، فتقولُ: (أَظُنُّ ويَظُنَّانِي زيدًا وعَمرًا أخويْنِ) .
(1) (نَحْوُ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أي: وذلك نحوُ، (أَظُنُّ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنا، (ويَظُنَّاي) فِعْلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ أَوَّلُ، (أَخَا) مفعولٌ ثانٍ لِيَظُنَّانِي، (َزْيدًا) مفعولٌ أوَّلُ لأَظُنُّ، (وعَمْرًا) معطوفٌ عليه، (أَخَوَيْنِ) مفعولٌ ثانٍ لأَظُنُّ، (في الرَّخَا) جارٌّ ومجرورٌ تَنَازَعَ فيه كلٌّ مِن (أَظُنُّ) و (يَظُنَّانِي) .
(2) القولُ بأنَّ هذه المسألةَ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ مِن بابِ التنازُعِ هو الذي ذَكَرَه ابنُ هِشامٍ، ووَجَّهَ ذلك بأنَّ العامليْنِ بالنسبةِ للمفعولِ الثاني لم يَعْمَلْ أَحَدُهما في لَفْظِه والآخَرُ في ضَميرِه، بل لم تَتَوَجَّهْ مُطالَبَةُ كلِّ واحدٍ مِنهما إليه، وهو شرطُ بابِ التنازُعِ؛ وذلك لأنَّ (أَخَوَيْنِ) معمولٌ لأَظُنُّ، ولم يَتَوَجَّهْ إليه يَظُنَّانِي؛ لِعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ لمفعولِه الأوَّلِ؛ فإنَّه لا يَطْلُبُ مَفْعُولًا ثانيًا إلاَّ بِشَرْطِ مُطَابَقَتِهِ لمفعولِه الأوَّلِ.
ونازَعَ في هذا قومٌ مِن المُتَأَخِّرِينَ، مِنهم ابنُ القاسِمِ، وقالوا: إنَّ اشْتِرَاطَ صِحَّةِ تَوَجُّهِ كلٍّ مِن العامليْنِ إلى المعمولِ إنما هو بالنظَرِ إلى المعنى، لا بالنظَرِ إلى الإفرادِ والتثنيَةِ، ولا بالنظرِ إلى نوعِ العَمَلِ، أفلا تَرَى أنك لو قُلْتَ: (ضَرَبَنِي وضَرَبْتُ زَيْدًا) لم يَكُنْ لِيَصِحَّ أنْ يَتَوَجَّهَ الأوَّلُ إلى (زَيْدًا) المنصوبِ، ولو قلتَ: (ضَرَبَنِي وضَرَبْتُه زَيْدًا) لم يَكُنْ يَصِحَّ تَوَجُّهُ الثاني إليه وهو مرفوعٌ؟