الصفحة 384 من 811

وزَعَمَ قومٌ أنه لا يُشْتَرَطُ في نَصْبِهِ إلاَّ كَوْنُه مصدرًا، ولا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُه معَ عاملِه في الوقتِ ولا في الفاعلِ، فجَوَّزُوا نَصْبَ (إكرامٍ) في المثاليْنِ السابقيْنِ. واللهُ أَعْلَمُ.

وقَلَّ أَنْ يَصْحَبَهَا الْمُجَرَّدُ ... وَالْعَكْسُ فِي مَصْحُوبِ (أَلْ) وَأَنْشَدُوا [1]

لاَ أَقْعُدُ الْجُبْنَ عَنِ الْهَيْجَاءِ ... وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ [2]

المفعولُ له المُسْتَكْمِلُ للشروطِ المتقدِّمَةِ له ثلاثةُ أحوالٍ:

أَحَدُها: أنْ يكونَ مجرَّدًا عن الألِفِ واللامِ والإضافةِ.

والثاني: أنْ يكونَ مُحَلًّى بالألِفِ واللامِ.

والثالِثُ: أنْ يكونَ مُضافًا.

وكلُّها يَجُوزُ أنْ تُجَرَّ بحرفِ التعليلِ، لكِنَّ الأكثرَ فيما تَجَرَّدَ عن الألِفِ واللامِ والإضافةِ النصبُ، نحوُ: (ضَرَبْتُ ابْنِي تَأْدِيبًا) ، ويَجُوزُ جَرُّهُ، فتقولُ: (ضَرَبْتُ ابْنِي لِتَأْدِيبٍ) ، وزَعَمَ الجُزُولِيُّ أنه لا يَجُوزُ جَرُّهُ، وهو خِلافُ ما صَرَّحَ به النَّحْوِيُّونَ، وما صَحِبَ الألِفَ واللامَ بعكسِ المجرَّدِ، فالأكثرُ جَرُّه، ويَجُوزُ النصبُ، فـ (ضَرَبْتُ ابني للتأديبِ) أكثرُ مِن (ضَرَبْتُ ابني التأديبَ) ، وممَّا جاءَ فيه منصوبًا ما أَنْشَدَهُ المصنِّفُ:

163 -لا أَقْعُدُ الْجُبْنَ عَنِ الْهَيْجَاءِ [3]

(1) (وقَلَّ) فِعْلٌ ماضٍ، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (يَصْحَبَهَا) : يَصْحَبَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ منصوبٌ بأنْ، وها: مفعولٌ به لِيَصْحَبَ، (المُجَرَّدُ) فاعلُ يَصْحَبَ، و (أنْ) ومَدْخُولُها في تأويلِ مصدرٍ فاعِلُ قَلَّ، (والعكسُ) مبتدأٌ، (في مصحوبِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرُ المُبْتَدَأِ، ومصحوبِ مضافٌ و (ألْ) قُصِدَ لفظُه: مُضَافٌ إليهِ، (وَأَنْشَدُوا) فعلٌ وفاعلٌ.

(2) (لا) نافيةٌ، (أَقْعُدُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنا، (الجُبْنَ) مفعولٌ لأجلِهِ، (عَنِ الْهَيْجَاءِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَقْعُدُ، (ولو) شَرْطِيَّةٌ غيرُ جازمةٍ، (تَوَالَتْ) تَوَالَى: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ تاءُ التأنيثِ، (زُمَرُ) فاعلُ تَوَالَتْ، وزُمَرُ مضافٌ و (الأعداءِ) مُضَافٌ إليهِ.

(3) لم أَقِفْ لهذا الشاهدِ على نِسْبَةٍ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ، والبيتُ كما وَرَدَ في كلامِ الناظِمِ، فهذا صَدْرُه، وعَجُزُهُ قَوْلُه:

* وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ *

اللغةُ: (لا أَقْعُدُ) أرادَ: لا أَنْكُلُ ولا أَتَوَانَى عن اقتحامِ المعارِكِ، وتقولُ: قَعَدَ فلانٌ عن الحربِ، إذا تَأَخَّرَ عنها ولم يُبَاشِرْها، (الجُبْنَ) بضمٍّ فسكونٍ: هو الهَيْبَةُ والفَزَعُ وضَعْفُ القلبِ والخوفُ من العاقبةِ، (الهَيْجَاءِ) الحربِ، وهي تُقْصَرُ وتُمَدُّ، فمِن قَصْرِها قولُ لَبِيدٍ:

* يَا رُبَّ هَيْجَا هِيَ خَيْرٌ مِنْ دَعَهْ *

ومِن مَدِّهَا قولُ الآخَرِ:

إِذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ الْعَصَا ... فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ

(تَوَالَتْ) تَتَابَعَتْ وتَكَاثَرَتْ وأَتَى بعضُها تِلْوَ بعضٍ وتَبَعَه، (زُمَرُ) جمعُ زُمْرَةٍ، وهي الجماعةُ، (الأَعْدَاءِ) جمعُ عَدُوٍّ.

الإعرابُ: (لا) نافيةٌ، (أَقْعُدُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنا، (الجُبْنَ) مفعولٌ لأجلِه، (عن الهَيْجَاءِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: أَقْعُدُ، (ولو) الواوُ عاطفةٌ، والمعطوفُ عليه محذوفٌ، والتقديرُ: لو لم تَتَوَالَ زُمَرُ الأعداءِ، ولو تَوَالَتْ زُمَرُ الأعداءِ، لو: حَرْفُ شرطٍ غيرُ جازمٍ، (تَوَالَتْ) تَوَالَى: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ حرفٌ دالٌّ على تأنيثِ الفاعلِ، (زُمَرُ) فاعلُ تَوَالَتْ، وزُمَرُ مضافٌ و (الأعداءِ) مُضَافٌ إليهِ، مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (الجُبْنَ) ؛ حيثُ وَقَعَ مَفْعُولًا لأجلِهِ، ونَصَبَه معَ كونِه مُحَلًّى بألْ.

وقد اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في جوازِ مَجِيءِ المفعولِ لأجلِه مُعَرَّفًا؛ فذَهَبَ سِيبَوَيْهِ ـ وتَبِعَه الزَّمَخْشَرِيُّ ـ إلى جوازِ ذلكَ؛ مُسْتَدِلِّينَ على هذا بِمَجِيئِهِ عن العربِ في نحوِ بيتِ الشاهدِ الذي نَحْنُ بِصَدَدِ شَرْحِهِ، والبيتيْنِ (رَقْم 164، 165) وقولِ شاعرِ الحماسةِ:

كَرِيمٌ يَغُضُّ الطَّرْفَ فَضْلَ حَيَائِهِ ... ويَدْنُو وأَطْرَافُ الرِّمَاحِ دَوَانِي

فقولُه: (فَضْلَ حَيَائِهِ) مفعولٌ لأجلِهِ، وهو مُعَرَّفٌ بالإضافةِ؛ إذ هو مضافٌ إلى مضافٍ إلى الضميرِ.

وذَهَبَ الجَرْمِيُّ إلى أنَّ المفعولَ لأجلِه يَجِبُ أنْ يكونَ نكرةً؛ لأنَّه ـ فيما زَعَمَ ـ كالحالِ والتمييزِ، وكلٌّ مِنهما لا يكونُ إلاَّ نَكِرَةً، فإنْ جاءَ المفعولُ لأجلِه مُقْتَرِنًا بألْ، فألْ هذه زائدةٌ لا مُعَرِّفَةٌ، وإنْ جاءَ مُضَافًا إلى معرفةٍ فإضافتُه لَفْظِيَّةٌ لا تُفِيدُ تعريفًا.

والصحيحُ ما ذَهَبَ إليه سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ في هذه المسألةِ؛ لِوُرُودِ الشواهدِ الكثيرةِ في النظْمِ والنثْرِ، ومِمَّا يَدُلُّ على صِحَّتِهِ وُرُودُهُ في قولِ اللهِ تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} ، والقولُ بزيادةِ الحرفِ أو بأنَّ الإضافةَ لفظيَّةٌ خلافُ الأصلِ، فلا يُصَارُ إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت