فهرس الكتاب
فإنْ وَقَعَ بعدَ تَمامِ الكلامِ الذي ليسَ بمُوجَبٍ، وهو المُشْتَمِلُ على النفيِ أو شِبْهِهِ، والمرادُ بِشِبْهِ النفيِ النَّهْيُ والاستفهامُ، فإمَّا أنْ يكونَ الاستثناءُ مُتَّصِلًا أو مُنْقَطِعًا، والمرادُ بالمُتَّصِلِ أنْ يكونَ المُسْتَثْنَى بعضًا ممَّا قَبْلَه، وبالمُنْقَطِعِ ألاَّ يكونَ بَعْضًا ممَّا قبلَه.
فإنْ كانَ مُتَّصِلًا جازَ نَصْبُهُ على الاستثناءِ، وجازَ إتباعُه لِمَا قَبْلَه في الإعرابِ، وهو المختارُ [1] ، والمشهورُ أنه بَدَلٌ مِن مَتْبُوعِهِ [2] ، وذلك نحوُ: (ما قامَ أحدٌ إلاَّ زيدٌ، وإلاَّ زيدًا، ولا يَقُمْ أَحَدٌ إلاَّ زَيْدٌ وإلاَّ زيدًا، وهل قامَ أحدٌ إِلاَّ زَيْدٌ، وإلاَّ زيدًا، وما
(1) أَطْلَقَ الشارِحُ رَحِمَه اللهُ اختيارَ إِتباعِ المستثنَى منه إذا كانَ الكلامُ تامًّا منفيًّا، وليسَ هذا الإطلاقُ بِسَدِيدٍ، بل قد يُختارُ النصبُ على الاستثناءِ، وذلك في ثلاثةِ مَوَاضِعَ:
الأوَّلُ وسيأتي في كلامِه: أنْ يَتَقَدَّمَ المستثنَى على المستثنَى منه، نحوُ قوْلِكَ: ما زَارَنِي إلاَّ زيدًا أَحَدٌ، فالنصبُ على الاستثناءِ هنا أَرْجَحُ مِن الرفعِ على البَدَلِيَّةِ؛ لئلاَّ يَلْزَمَ تَقَدُّمُ التابعِ على المتبوعِ، أو تَغَيُّرُ الحالِ، فيَصِيرُ التابعُ مَتبوعًا، والمتبوعُ تابِعًا.
الثاني: أنْ يُفْصَلَ بينَ المستثنَى والمستثنَى منه بفاصلٍ طويلٍ، نحوُ أنْ تقولَ: لم يَزُرْنِي أحدٌ أثناءَ مَرَضِي معَ انقضاءِ زَمَنٍ طويلٍ إلاَّ زيدًا، واختيارُ النصبِ على الاستثناءِ في هذا الموضِعِ لأنَّ الإتباعَ إنما يُخْتَارُ للتشاكُلِ بينَ التابعِ والمتبوعِ، وهذا التشاكُلُ لا يَظْهَرُ معَ طولِ الفصلِ بينَهما، ونازَعَ في هذا أبو حَيَّانَ.
الثالِثُ: أنْ يكونَ الكلامُ جَوَابًا لِمَن أَتَى بكلامٍ آخَرَ يَجِبُ فيه نصبُ المستثنَى، وذلك كأنْ يقولَ لكَ قائلٌ: نَجَحَ التلاميذُ إلاَّ عَلِيًّا. فتقولَ له: (ما نَجَحُوا إلاَّ عَلِيًّا) ، وإنما اخْتِيرَ النصبُ على الاستثناءِ ههنا لِيَتِمَّ به التشاكُلُ بينَ الكلامِ الأوَّلِ وما يُرَادُ الجوابُ به عنه.
(2) هذا الذي ذَكَرَه الشارِحُ مِن أنَّ المُسْتَثْنَى بعدَ الكلامِ التامِّ المنفيِّ بَدَلٌ مِن المُسْتَثْنَى منه هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، يقولون: إنه بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ. فأمَّا الكُوفِيُّونَ فذَهَبُوا إلى أنَّ (إلاَّ) في هذا المَوْضِعِ حرفُ عَطْفٍ، وما بعدَه معطوفٌ عَطْفَ النَّسَقِ على الاسمِ الذي قبلَها، وكانَ أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ ـ وهو كُوفِيٌّ ـ يقولُ: كيفَ يكونُ بَدَلًا وهو مُوجَبٌ ومَتْبُوعُه مَنْفِيٌّ؟ وقد أجابَ عن هذا الاعتراضِ أبو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ شارِحُ كتابِ سِيبَوَيْهِ بأنَّا إنما جَعَلْنَاهُ بَدَلًا منه في عملِ العاملِ فيه، وتَخَالُفُهما في النفيِ والإثباتِ لا يَمْنَعُ البدليَّةَ؛ لأنَّ سَبِيلَ البدلِ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ كأنَّه لم يُذْكَرْ والثاني في مَوْضِعِه، وقد رَأَيْنَا التوابِعَ تَتَخَالَفُ في النفيِ والإثباتِ، من ذلك النعتُ في نحوِ قولِكَ: مَرَرْتُ برجلٍ لا كَرِيمٍ ولا لَبِيبٍ.
وقد بَيَّنَ ذلك العَلاَّمَةُ السيُوطِيُّ بَيَانًا وَافِيًا، وهاكَ عِبارَتَه: (وهو بَدَلٌ عندَ البَصريِّينَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لأنَّه على نِيَّةِ تَكرارِ العامِلِ، وعَطْفٌ عندَ الكُوفِيِّينَ، وإلاَّ عندَهم حرفُ عَطْفٍ؛ لأنَّه مُخَالِفٌ للأوَّلِ، والمخالفةُ لا تكونُ في البدلِ، وتكونُ في العطفِ بِبَلْ ولا ولَكِنْ، وأُجِيبَ بأنَّ المخالفةَ واقعةٌ في بَدَلِ البعضِ؛ لأنَّ الثانيَ فيه مخالفٌ للأوَّلِ في المعنى، وقد قالُوا:(مَرَرْتُ برجلٍ لا زَيْدٍ ولا عمرٍو) ، وهو هنا بدلٌ لا عطفٌ؛ لأنَّ من شرطِ لا العاطفةِ ألاَّ تَتَكَرَّرَ، وقالَ ابنُ الضائِعِ=: لو قيلَ: إنَّ البدلَ في الاستثناءِ قِسْمٌ على حِدَتِه ليسَ من تلكَ الأبدالِ التي عُيِّنَتْ في بابِ البدلِ لكانَ وَجْهًا، وهو الحقُّ، وحقيقةُ البدلِ ههنا أنه يَقَعُ معَ الأوَّلِ ويُبْدَلُ مكانَه.
وزَعَمَ بعضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الإتباعَ يَخْتَصُّ بما يَكونُ فيه المُسْتَثْنَى مِنه مُفْرَدًا، وهو مردودٌ بقولِهِ تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ} ، فشُهَدَاءُ جَمْعٌ، وقد أُبْدِلَ منه.
وشَرَطَ بعضُ القدماءِ لجوازِ الإتباعِ عدمَ صلاحيَةِ المُستثنَى منه للإيجابِ ـ يعني: أنْ يكونَ مِمَّا يَخْتَصُّ بالاستعمالِ بعدَ النفيِ =كأَحَدٍ وعربب ودَيَّارٍ ـ وهو مردودٌ بالسماعِ؛ فقد قالَ اللهُ تعالى: {مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ} .