فهرس الكتاب
ضَرَبْتُ أحدًا إلاَّ زَيْدًا، ولا تَضْرِبْ أحدًا إلاَّ زَيْدًا، وهل ضَرَبْتَ أَحَدًا إِلاَّ زَيْدًا)، فيَجُوزُ في (زَيْدًا) أنْ يكونَ منصوبًا على الاستثناءِ، وأنْ يكونَ منصوبًا على البَدَلِيَّةِ مِن (أَحَدٍ) ، وهذا هو المُختارُ.
وتقولُ: (ما مَرَرْتُ بأحدٍ إلاَّ زَيْدٍ، وإلاَّ زَيْدًا، ولا تَمْرُرْ بِأَحَدٍ إلاَّ زَيْدٍ، وإلاَّ زَيْدًا، وهل مَرَرْتَ بِأَحَدٍ إلاَّ زَيْدٍ وإلاَّ زَيْدًا) ، وهذا معنى قولِهِ: (وبَعْدَ نَفْيٍ أو كنَفْيٍ انْتُخِبْ إِتْبَاعُ ما اتَّصَلَ) ؛ أي: اخْتِيرَ إِتْبَاعُ الاستثناءِ المُتَّصِلِ إنْ وَقَعَ بعدَ نَفْيٍ أَوْ شِبْهِ نَفْيٍ [1] .
(1) قد يَمْتَنِعُ لِسَبَبٍ صِنَاعِيٍّ إبدالُ ما بعدَ إلاَّ في الكلامِ التامِّ المنفيِّ مِمَّا قَبْلَها، وذلك كأنْ تقولَ (ما جاءنِي من أحدٍ إلاَّ زيدٌ) ، أو تقولَ: (لا أَحَدَ فيها إلا زيدٌ) .
وبيانُ تَعَذُّرِ الإبدالِ على اللفظِ في المثالِ الأوَّلِ من هذيْنِ المثاليْنِ أنَّ ما بعدَ (إلا) فيه ـ وهو زيدٌ ـ مَعْرِفَةٌ بالعلميَّةِ، وذلك ظاهرٌ، وهو مُثْبَتٌ؛ لأنَّه مُسْتَثْنًى من منفيٍّ، وإلاَّ تُوجِبُ لِمَا بعدَها نَقِيضَ حُكْمِ ما قبلَها، فلو أنكَ أَبْدَلْتَ (زيدًا) في هذا المثالِ بالجرِّ لكُنْتَ قد جَعَلْتَه معمولًا لِمِن الزائدةِ العاملةِ في _ (أَحَدَ) المبدَلِ مِنه، وأنتَ تَعْلَمُ أنَّ مِن الزائدةِ لا تدخُلُ إلا على نَكِرَةٍ منفيَّةٍ، و (زيدٌ) معرفةٌ مُثْبَتَةٌ كما أَنْبَأْتُكَ.
وأمَّا بيانُ التعذُّرِ المذكورِ في المثالِ الثاني، فحاصِلُه أنكَ لو أَبْدَلْتَ زَيْدًا بالنصْبِ تَبَعًا للمُبْدَلِ مِنه ـ وهو أَحَدَ الواقِعُ اسمًا للا النافيةِ للجنسِ ـ لكُنْتَ قد أَعْمَلْتَ لا النافيةَ للجنسِ في معرفةٍ، وقد عَلِمْتَ أنَّ لا النافيةَ للجنسِ لا تَعْمَلُ إلا في النكراتِ، ولذلك نظائرُ كثيرةٌ.
فإذا رَأَيْتَ شيئًا مِن ذلك، فلا تَغْتَرِرْ بأنه يجوزُ لكَ الإبدالُ فتُسْرِعَ إلى الإبدالِ على لفظِ المبدَلِ منه من الكلامِ، بل تَدَبَّرِ الأمرَ، وانْظُرْ في المبدَلِ منه، ثمَّ انْظُرْ في البَدَلِ: هل يجوزُ لكَ أنْ تَضَعَهُ في موضِعِ المبدَلِ منه؟، فإنْ أدَّاكَ النظرُ إلى أنه يجوزُ لكَ أنْ تَضَعَ البدلَ في موضعِ المبدَلِ منه فلا تَتَرَدَّدْ في أنْ تُبْدِلَ على اللفظِ، وإنْ أَدَّاكَ النظرُ إلى أنه لا يجوزُ لكَ أنْ تَضَعَ البدلَ في موضِعِ المبدَلِ منه في هذا الكلامِ فاعْدِلْ إلى الإبدالِ على الموضِعِ، ففي المثالِ الأوَّلِ ـ وهو: ما جاءني من أحدٍ إلاَّ زَيْدٌ ـ المبدَلُ منه فاعلٌ مجرورٌ لَفْظًا بمِن الزائدةِ، ومَوْضِعُه رفعٌ؛ لأنَّ كلَّ فاعلٍ مرفوعٌ، ولا يَصِحُّ لكَ أنْ تَضَعَ زيدًا في هذا الكلامِ مَوْضِعَ أَحَدَ، فأَبْدِلْه على الموضعِ وانْطِقْ به مرفوعًا، وفي المثالِ الثاني ـ وهو: لا أحدَ فيها إلا زيدٌ ـ المبدَلُ منه اسمُ لا، ولا يَصِحُّ وَضْعُ زيدٍ مَوْضِعَه، ولكِنَّ اسمَ لا أصلُه مبتدأٌ، أو (لا) واسمُها في قوَّةِ مبتدأٍ؛ كما صَرَّحَ به سِيبَوَيْهِ وذَكَرْنَاهُ مِرَارًا في بابِ لا، والمبتدأُ يكونُ مَعْرِفَةً فارْفَعْ زَيْدًا.