الصفحة 403 من 811

وإنْ كانَ الاستثناءُ مُنْقَطِعًا تَعَيَّنَ النصبُ عندَ جمهورِ العربِ، فتقولُ: (ما قامَ القومُ إلاَّ حِمَارًا) ، ولا يَجُوزُ الإتباعُ، وأَجَازَهُ بَنُو تَمِيمٍ، فتقولُ: (ما قامَ القومُ إلاَّ حِمَارٌ، وما ضَرَبْتُ القومَ إلاَّ حِمَارًا، وما مَرَرْتُ بالقومِ إلاَّ حِمَارٍ) .

وهذا هو المرادُ بقولِهِ: (وَانْصِبْ ما انْقَطَعْ) ؛ أي: انْصِبْ الاستثناءَ المُنْقَطِعَ إذا وَقَعَ بعدَ نفيٍ أو شِبْهِهِ عندَ غيرِ بني تَمِيمٍ، وأَمَّا بَنُو تَمِيمٍ فيُجِيزُونَ إِتْبَاعَهُ.

فمعنى البيتيْنِ: أنَّ الذي اسْتُثْنِيَ بـ (إلاَّ) يَنْتَصِبُ إنْ كانَ الكلامُ مُوجَبًا ووَقَعَ بعدَ تَمَامِهِ، وقد نَبَّهَ على هذا التقييدِ بذِكْرِهِ حُكْمَ النفيِ بعدَ ذلك، وإطلاقُ كلامِه يَدُلُّ على أنه يَنْتَصِبُ، سَوَاءٌ كانَ مُتَّصِلًا أو مُنْقَطِعًا.

وإنْ كانَ غيرَ مُوجَبٍ، وهو الذي فيه نَفْيٌ أو شِبْهُ نَفْيٍ، انْتُخِبَ؛ أي: اخْتِيرَ إتباعُ ما اتَّصَلَ، ووَجَبَ نَصْبُ ما انْقَطَعَ عندَ غيرِ بني تَمِيمٍ، وأمَّا بَنُو تَمِيمٍ فيُجِيزُونَ إِتباعَ المنقطِعِ.

وغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ فِي النَّفْيِ قَدْ ... يَأْتِي وَلَكِنْ نَصْبَهُ اخْتَرْ إِنْ وَرَدْ [1]

إذا تَقَدَّمَ المُسْتَثْنَى على المُسْتَثْنَى مِنْهُ [2] ، فإمَّا أنْ يَكونَ الكلامُ مُوجَبًا أو غيرَ مُوجَبٍ، فإنْ كانَ مُوجَبًا وَجَبَ نَصْبُ المستثنَى، نحوُ: (قامَ إلاَّ زيدًا القومُ) ، وإنْ كانَ غيرَ مُوجَبٍ فالمختارُ نَصْبُه، فتقولُ: (ما قامَ إلا زيدًا القومُ) ، ومنه قولُه:

167 -فَمَالِيَ إِلاَّ آلَ أَحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَمَالِيَ إِلاَّ مَذْهَبَ الْحَقِّ مَذْهَبُ [3]

(1) (وغيرُ) مبتدأٌ، وغيرُ مضافٌ و (نَصْبِ) مُضَافٌ إليهِ، ونَصْبِ مضافٌ و (سابقٍ) مُضَافٌ إليهِ، (في النفيِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (يَأْتِي) الآتي، (قد) حرفٌ دالٌّ على التقليلِ، وجملةُ (يأتي) وفاعلِه المستترِ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى (غيرُ نَصْبِ) في مَحَلِّ رَفْعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ، (ولكِنْ) حرفُ اسْتِدْرَاكٍ، (نَصْبَهُ) نَصْبَ: مفعولٌ مُقَدَّمٌ لاخْتَرْ، ونَصْبَ مضافٌ والهاءُ مُضَافٌ إليهِ، (اخْتَرْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، (وَرَدْ) فِعْلٌ ماضٍ في مَحَلِّ جزمٍ فعلُ الشرطِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه سابقُ الكلامِ، وتَقْدِيرُه: إنْ وَرَدَ فاخْتَرْ نَصْبَهُ.

(2) لتقديمِ المُسْتَثْنَى ثلاثُ صُوَرٍ:

الأُولَى: أنْ يَتَقَدَّمَ على المستثنَى منه فقطْ، والثانيةُ: أنْ يَتَقَدَّمَ على العاملِ فيه فقطْ، ويَتَقَدَّمَ المستثنَى منه، نحوُ قولِكَ: (القومَ إلاَّ زَيْدًا أَكْرَمْتُ) ، والثالثةُ: أنْ يَتَقَدَّمَ على المستثنَى منه وعلى العاملِ فيه جميعًا، نحوُ: (إلاَّ زَيْدًا أَكْرَمْتُ القومَ) ، وفي هذه خِلافٌ.

وسنعودُ إلى هذه المسألةِ مَرَّةً أُخْرَى (في شرحِ ش 175) فنُجَلِّيها لكَ.

(3) البيتُ لِلْكُمَيْتِ بنِ زَيْدٍ الأَسدِيِّ، من قصيدةٍ هاشميَّةٍ، يَمْدَحُ فيها آلَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَوَّلُها قولُه:

طَرِبْتُ وما شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْرَبُ ... ولا لَعِبًا مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ

اللغةُ: (طَرِبْتُ) الطَّرَبُ: استخفافُ القلبِ مِن حُزْنٍ أو فَرَحٍ أو لَهْوٍ، (البِيضِ) جمعُ بَيْضَاءَ، وهي المرأةُ النقيَّةُ، (وذو الشيْبِ يَلْعَبُ) جَعَلَه بعضُ النُّحَاةِ ـ ومنهم ابنُ هِشامٍ في (المُغْنِي) ـ على تقديرِ همزةِ الاستفهامِ، وكأنه قد قالَ: أوَ ذو الشيْبِ يَلْعَبُ؟ ودليلُ صِحَّتِهِ أنه يُرْوَى في مكانِه: (أَذُو الشيْبِ يَلْعَبُ) ، (شِيعَةٌ) أشياعٌ وأنصارٌ، (مَذْهَبَ الحَقِّ) يُرْوَى في مكانِه: (مَشْعَبَ الحقِّ) ، والمرادُ: أنه لا قَصْدَ له إلاَّ طَرِيقُ الحقِّ.

الإعرابُ: (ما) نافيةٌ، (لي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (إلاَّ) أداةُ استثناءٍ، (آلَ) مُسْتَثْنًى، وآلَ مضافٌ و (أحمدَ) مُضَافٌ إليهِ، (شِيعَةٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وهو المستثنَى منه، (وما لي إلاَّ مَذْهَبَ الحقِّ مذهَبُ) مثلُ الشطرِ الأوَّلِ في الإعرابِ تمامًا.

الشاهدُ فيه: قولُه: (إلاَّ آلَ أحمدَ) وقولُه: (إلاَّ مَذْهَبَ الحقِّ) ؛ حيثُ نَصَبَ المستثنَى بإلاَّ في الموضعيْنِ؛ لأنَّه مُتَقَدِّمٌ على المستثنَى منه، والكلامُ منفيٌّ، وهذا هو المختارُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت