فهرس الكتاب
وقد رُوِيَ رَفْعُه، فتقولُ: (ما قامَ إلاَّ زيدٌ القومُ) ، قالَ سِيبَوَيْهِ: حَدَّثَنِي يُونُسُ أَنَّ قَوْمًا يُوثَقُ بِعَرَبِيَّتِهِم يقولون: (مالي إلاَّ أَخُوكَ نَاصِرٌ) ، وأَعْرَبُوا الثانِيَ بَدَلًا مِن الأوَّلِ على القلبِ لهذا السببِ، ومنه قولُه:
168 -فَإِنَّهُمُ يَرْجُونَ مِنْهُ شَفَاعَةً ... إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلاَّ النَّبِيُّونَ شَافِعُ [1]
(1) البيتُ لِحَسَّانَ بنِ ثابتٍ شاعرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من قصيدةٍ يَقُولُها في يومِ بَدْرٍ، وأوَّلُها قولُه:
أَلاَ يَا لَقَوْمِي هَلْ لِمَا حُمَّ دَافِعُ ... وهل ما مَضَى مِن صالِحِ العَيْشِ رَاجِعُ
اللغةُ: (حمَّ) تقولُ: حمَّ الأمرُ ـ بالبناءِ للمجهولِ ـ ومعناه: قُدِّرَ، وتقولُ: قد حَمَّهُ اللهُ، وأَحَمَّهُ، تُرِيدُ قَدَّرَهُ وهَيَّأَ أسبابَه، (يَرْجُونَ) يَتَرَقَّبُونَ ويَأْمُلُونَ، والمرادُ بالشفاعةِ شفاعتُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي المَقامُ المحمودُ الذي ذَكَرَه اللهُ تعالى في قَوْلِهِ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} .
الإعرابُ: (فإنَّهم) إنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، هم: اسْمُه، (يَرْجُونَ) فعلٌ وفاعلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ إنَّ، (مِنْكَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجُونَ، (شَفَاعَةً) مفعولٌ به لِيَرْجُونَ، (إذا) ظرفيَّةٌ، (لم) نافيةٌ جازمةٌ، (يَكُنْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ تامٌّ مجزومٌ بلم، (إلاَّ) أداةُ استثناءٍ، (النَّبِيُّونَ) مُسْتَثْنًى، وسَتَعْرِفُ ما فيه، (شَافِعُ) فاعلُ يَكُنْ، وهو المُسْتَثْنَى منه.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (إلاَّ النَّبِيُّونَ) ؛ حيثُ رَفَعَ المستثنَى معَ تَقَدُّمِهِ على المستثنَى منه، والكلامُ منفيٌّ، والرفعُ في مثلِ ذلكَ غيرُ المختارِ، وإنما المختارُ نَصْبُه، هذا هو الظاهِرُ.
وقد خَرَّجَه بعضُ النُّحَاةِ على غيرِ ظاهرِهِ؛ لِيُطَابِقَ المختارَ عندَهم، فذَهَبُوا إلى أنَّ قولَه: (النَّبِيُّونَ) معمولٌ لِمَا قبلَ إلاَّ؛ أي: أنه فاعلُ يَكُنْ، فيكونُ الكلامُ استثناءً مُفَرَّغًا؛ أي: لم يُذْكَرْ فيه المستثنَى منه، وقولُه: (شَافِعُ) بدلَ كلٍّ مِمَّا قبلَه، ويكونُ الأمرُ على عكسِ الأصلِ، فالذي كانَ بَدَلًا صارَ مُبْدَلًا منه، والذي كانَ مُبْدَلًا منه قد صارَ بدلًا، وتَغَيَّرَ نوعُ البدلِ فصارَ بدلَ كلٍّ بعدَ أنْ كانَ بَدَلَ بعضٍ.