الصفحة 405 من 811

فمعنى البيتِ: أنه قد وَرَدَ في المُسْتَثْنَى السابقِ غيرُ النصبِ، وهو الرفعُ، وذلك إذا كانَ الكلامُ غيرَ مُوجَبٍ، نحوُ: (ما قامَ إلاَّ زَيْدٌ القومُ) ولكنَّ المُخْتَارَ نَصْبُه.

وعُلِمَ مِن تَخْصِيصِه وُرُودَ غَيْرِ النصبِ بالنفيِ أنَّ المُوجَبَ يَتَعَيَّنُ فيه النصبُ، نحوُ: (قامَ إلاَّ زيدًا القومُ) .

وإنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إِلاَّ لِمَا ... بَعْدُ يَكُنْ كَمَا لَوِ (الاَّ) عُدِمَا [1]

إذا تَفَرَّغَ سابقُ (إلاَّ) لِمَا بعدَها؛ أي: لم يَشْتَغِلْ بما يَطْلُبُه، كانَ الاسمُ الواقِعُ بعدَ (إلاَّ) مُعْرَبًا بإعرابِ ما يَقْتَضِيهِ ما قبلَ إلاَّ قبلَ دُخُولِها، وذلك نحوُ: (ما قامَ إلاَّ زيدٌ، وما ضَرَبْتُ إلاَّ زيدًا، وما مَرَرْتُ إلاَّ بِزَيْدٍ) ، فـ (زيدٌ) فاعلٌ مرفوعٌ بقامَ، و (زيدًا) منصوبٌ بضَرَبْتُ، و (بِزَيْدٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَرَرْتُ، كما لو لم تَذْكُرْ (إلاَّ) .

وهذا هو الاستثناءُ المُفَرَّغُ [2] ، ولا يَقَعُ في كلامٍ مُوجَبٍ [3] ، فلا تقولُ: (ضَرَبْتُ إلاَّ زَيْدًا) .

(1) (وإنْ) شَرْطِيَّةٌ، (يُفَرَّغْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ فِعْلُ الشرطِ، (سابِقٌ) نائبُ فاعلٍ لِيُفَرَّغْ، وهو اسمُ فاعلٍ يَعْمَلُ عملَ الفعلِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه، (إلاَّ) قُصِدَ لفظُه: جَعَلَه الشيخُ خالدٌ مُضافًا إليه، وليسَ هذا الإعرابُ بشيءٍ، بل هو مفعولٌ به لسابِقٌ؛ لأنَّه اسمُ فاعلٍ مُنَوَّنٌ، وتَرْكُ تَنْوِينِه يُخِلُّ بوزنِ البيتِ، (لِمَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيُفَرَّغْ، (بعدُ) ظرفٌ مَبْنِيٌّ على الضمِّ لانقطاعِه عن الإضافةِ لَفظًا في مَحَلِّ نصبٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةُ (ما) المجرورةِ مَحَلاًّ باللامِ، (يَكُنْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ ناقصٌ مجزومٌ؛ لأنَّه جوابُ الشرطِ، واسمُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا، (كما) الكافُ جارَّةٌ، وما زائدةٌ، (لو) مَصْدَرِيَّةٌ، (إلاَّ) قُصِدَ لفظُه: نائبُ فاعلٍ لفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بعدَه، (عُدِمَا) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، والألفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ على إلاَّ، و (لو) ومَدْخُولُها في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ بالكافِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ (يَكُنْ) ، وتقديرُ الكلامِ: يَكُنْ هو كائنًا كعَدَمَ إلاَّ في الكلامِ.

(2) يجوزُ تفريغُ العاملِ المتقدِّمِ على إلاَّ بالنظرِ إلى جميعِ المعمولاتِ؛ كالفاعلِ ونائبِه والمفعولِ به، ويُسْتَثْنَى من ذلك المفعولُ معَه، والمصدرُ المؤكِّدُ لعاملِه، والحالُ المؤكِّدَةُ، فلا يجوزُ أنْ تقولَ: ما سِرْتُ إلاَّ والليلَ، ولا أنْ تقولَ: ما ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبًا، ولا أنْ تقولَ: لا تَعْثُ إلاَّ مُفْسِدًا؛ وذلك لأنَّ الكلامَ في هذه المُثُلِ ونحوِها يَتَنَاقَضُ صَدْرُهُ معَ عَجُزِهِ.

(3) أَطْلَقَ الشارِحُ القولَ بعدمِ وقوعِ الاستثناءِ المفرَّغِ في الكلامِ الموجَبِ، ولم يُفَرِّقْ بينَ أنْ يكونَ ما بعدَ إلاَّ فَضْلَةً وأنْ يكونَ عُمْدَةً، وللنحاةِ في هذا الموضِعِ مذهبانِ:

أَحَدُهما: أنه لا يقَعُ بعدَ الإيجابِ مُطْلَقًا؛ كما يَقْتَضِيهِ إطلاقُ الشارِحِ، وهو مَذْهَبُ الجمهورِ، واختارَه الناظِمُ، والسرُّ في ذلك أنك لو كنتَ تقولُ: (ضَرَبْتُ إلاَّ زَيْدًا) ، لكانَ المعنَى أنك ضَرَبْتَ جَمِيعَ الناسِ إلاَّ زيدًا، وهذا مستحيلٌ، وقيامُ قرينةٍ تَدُلُّ على أنك تُرِيدُ بالناسِ جماعةً مخصوصةً، أو أنك قَصَدْتَ إلى المبالغةِ، بجعلِ الفعلِ الواقعِ على بعضِ الناسِ واقعًا على كلِّهم؛ تَنْزِيلًا لهذا البعضِ مَنْزِلَةَ الكلِّ؛ لِعَدَمِ الاعتدادِ بما عدا هذا البعضِ- أمرٌ نادرٌ، فلا يُجْعَلُ له حُكْمٌ.

والمَذْهَبُ الثاني لابنِ الحاجِبِ، وخُلاصتُه أنه يجوزُ وُقُوعُ الاستثناءِ بعدَ الإيجابِ بشرطيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يكونَ ما بعدَ إلاَّ فَضْلَةً، والثاني: أنْ تَحْصُلَ فائدةٌ، وذلك كقولِكَ: قَرَأْتُ إلاَّ يومَ الجُمُعَةِ. فإنْ كانَ عُمْدَةً أو لم تَحْصُلْ فائدةٌ لم يَجُزْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت