فهرس الكتاب
وأَلْغِ (إِلاَّ) ذَاتَ تَوْكِيدٍ كَلاَ ... تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ الْفَتَى إِلاَّ الْعَلاَ [1]
إذَا كَرَّرْتَ (إلاَّ) لِقَصْدِ التوكيدِ لم تُؤَثِّرْ فيما دَخَلَتْ عليه شيئًا، ولم تُفِدْ غيرَ توكيدِ الأُولَى، وهذا معنى إِلْغَائِها، وذلك في البدلِ والعطفِ، نحوُ: (ما مَرَرْتُ بأحدٍ إلاَّ زَيْدٍ، إلاَّ أَخِيكَ) ، فـ (أَخِيكَ) بَدَلٌ مِن (زَيْدٍ) ولم تُؤَثِّرْ فيه (إلاَّ) شيئًا؛ أي: لم تُفِدْ فيه استثناءً مُسْتَقِلاًّ، وكأنَّكَ قُلْتَ: ما مَرَرْتُ بأحدٍ إلاَّ زَيْدٍ أَخِيكَ، ومِثْلُه: (لا تَمْرُرْ بهم إلاَّ الفَتَى إلاَّ العَلاَ) ، والأصلُ لا تَمْرُرْ بهم إلاَّ الفَتَى العَلاَ، فـ (العَلاَ) بَدَلٌ مِن الفَتَى، وكُرِّرَتْ (إلاَّ) توكيدًا.
ومثالُ العَطْفِ: (قامَ القومُ إلاَّ زَيْدًا، وإلاَّ عَمْرًا) والأصلُ: (إلاَّ زيدًا وعمرًا) ، ثُمَّ كُرِّرَتْ (إلاَّ) تَوْكِيدًا، ومِنه قولُه:
169 -هَلِ الدَّهْرُ إِلاَّ لَيْلَةٌ وَنَهَارُهَا ... وَإِلاَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيَارُهَا [2]
(1) (وَأَلْغِ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (إلاَّ) قُصِدَ لفظُه: مفعولٌ به لأَلْغِ، (ذاتَ) حالٌ من (إلا) ، وذاتَ مضافٌ و (توكيدٍ) مُضَافٌ إليهِ، (كلاَ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، لا: ناهيةٌ، (تَمْرُرْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مجزومٌ بلا، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (بِهِمْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَمْرُرْ، (إِلاَّ) حرفُ استثناءٍ، (الْفَتَى) مُسْتَثْنًى، والمستثنَى منه الضميرُ المجرورُ مَحَلاًّ بالباءِ، (إلا) توكيدٌ لإِلاَّ السابقةِ، (العَلاَ) بَدَلٌ من (الفَتَى) بَدَلُ كلٍّ مِن كُلٍّ.
(2) البيتُ لأبي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ، واسْمُه خُوَيْلِدُ بنُ خَالِدٍ، والبيتُ مَطْلَعُ قَصِيدَةٍ له، وبعدَه قولُه:
أَبَى القَلْبُ إِلاَّ أُمَّ عَمْرٍو وأَصْبَحَتْ ... تُحَرَّقُ نَارِي بِالشَّكَاةِ وَنَارُهَا
وعَيَّرَهَا الوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا ... وتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
اللغةُ: (غِيَارُهَا) بِزِنَةِ قِيَامٍ: هو مصدرٌ بمعنى الغِيابِ، (تُحَرَّقُ) بالبناءِ للمجهولِ، تُوَقدُ وتُذَكَّى وتُشْعَلُ، (بالشَّكَاةِ) بفتحِ الشينِ: أرادَ ما يكونُ من كلامِ الوَاشِينَ مِن النمائِمِ، (عَيَّرَهَا الواشونَ) نَسَبُوها إلى العارِ، وهو كلُّ ما يُوجِبُ الذمَّ.
الإعرابُ: (هل) حرفُ استفهامٍ بمعنى النفيِ، (الدهرُ) مبتدأٌ، (إلاَّ) أداةُ استثناءٍ مُلْغَاةٌ، (لَيْلَةٌ) خبرُ المُبْتَدَأِ، (ونَهَارُها) الواوُ عاطفةٌ، نهارُ: مَعْطُوفٌ على ليلةٌ، ونهارُ مضافٌ والضميرُ مُضَافٌ إليهِ، (وإلا) الواوُ عاطفةٌ، وإلاَّ زائدةٌ للتوكيدِ، (طُلُوعُ) مَعْطُوفٌ على ما قبلَه، وطُلُوعُ مضافٌ و (الشمسِ) مُضَافٌ إليهِ، (ثُمَّ) عاطفةٌ، (غِيَارُهَا) غِيَارُ: مَعْطُوفٌ على طُلُوعُ، وغِيَارُ مضافٌ وها مُضَافٌ إليهِ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (وإلاَّ طُلُوعُ الشمسِ) ؛ حيثُ تَكَرَّرَتْ إلاَّ، ولم تُفِدْ غَيْرَ مجرَّدِ التوكيدِ، فأُلْغِيَتْ، وعُطِفَ ما بعدَها على ما قبلَها. ونظيرُ زيادةِ (إلا) في هذا الموضعِ زيادةُ (لا) في نحوِ قولِكَ: مَرَرْتُ برجُلٍ لا كريمٍ ولا شجاعٍ، فالواوُ عاطفةٌ لِمَا بعدَ (لا) الثانيةِ على ما بعدَ (لا) الأُولى، ولَيْسَتْ (لا) الثانيةُ إلا زائدةً لِمُجَرَّدِ تأكيدِ أنَّ ما بعدَها مَعْطُوفٌ على مَدْخُولِ الأُولى.