الصفحة 414 من 811

فـ (سِوَاكَ) مرفوعٌ بالابتداءِ، و (سِوَى العُدْوَانِ) مرفوعٌ بالفاعليَّةِ، ومِن استعمالِها منصوبةً على غيرِ الظرفيَّةِ قولُه:

174 -لَدَيْكَ كَفِيلٌ بِالْمُنَى لِمُؤَمِّلٍ ... وإنَّ سِوَاكَ مَنْ يُؤَمِّلُهُ يَشْقَى [1]

(1) 174 - البيتُ مِن الشواهدِ التي لم يَنْسُبُوهَا لقائلٍ مُعَيَّنٍ، ولم أَقِفْ له على سابقٍ أو لاحِقٍ.

اللغةُ: (كَفِيلٌ) ضامنٌ، (المُنَى) الرَّغَبَاتُ والآمالُ، واحدُها مُنْيَةٌ بِوِزَانِ مُدْيَةٍ وغُرْفَةٍ، (لِمُؤَمِّلٍ) اسمُ فاعلٍ من أَمَّلَ فلانٌ فلانًا تأميلًا، إذا رَجَاهُ، (يَشْقَى) مضارعٌ مِن الشَّقَاءِ، وهو العَنَاءُ والشِّدَّةُ، وفِعْلُه شَقِيَ يَشْقَى، على مِثَالِ رَضِيَ يَرْضَى.

المعنى: إنَّ عِنْدَكَ مِن مكارِمِ الأخلاقِ وشَرِيفِ السَّجَايَا ما يَضْمَنُ لِمَنْ يَرْجُو نَدَاكَ أنْ يَبْلُغَ قَصْدَهُ ويَنَالَ عندَكَ ما يُؤَمِّلُ، فأمَّا غَيْرُكَ مِمَّن يَظُنُّ بهم الناسُ الخيرَ فإنَّ آمالَ الرَّاجِينَ فيهم تَنْقَلِبُ خَيْبَةً وشَقَاءً.

الإعرابُ: (لَدَيْكَ) لَدَى: ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ولدَى مُضافٌ والكافُ مُضافٌ إليه، (كَفِيلٌ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، (بِالْمُنَى لِمُؤَمِّلٍ) جارَّانِ ومجرورانِ يَتَعَلَّقَانِ بِكَفِيلٌ، (إِنَّ) حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (سِوَاكَ) سِوَى: اسمُ إنَّ، وسِوَى مُضافٌ، والكافُ مُضافٌ إليه، (مَن) اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، (يُؤَمِّلُهُ) يُؤَمِّلُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مرفوعٌ بالضمَّةِ الظاهرةِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى مَنِ الموصولةِ، والهاءُ مفعولٌ به، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صلةُ مَنِ الموصولةِ، (يَشْقَى) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى مَنِ الموصولةِ الواقعةِ مبتدأً، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الذي هو مَنِ الموصولةُ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِهِ في مَحَلِّ رفْعٍ خبرُ إنَّ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (وَإِنَّ سِوَاكَ) ؛ حيثُ فَارَقَتْ (سِوَى) الظَرْفِيَّةَ ووَقَعَتِ اسمًا لإنَّ فتَأَثَّرَتْ بالعاملِ الذي هو إنَّ المُؤَكِّدَةُ.

ومثلُ هذا البيتِ - في وُقُوعِ سِوَى منصوبةً بالعاملِ - الشاهدُ رَقْمُ 175 الآتي (ص 234) ، وقولُ عُمَرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ (البَيْتُ 17 من الكَلِمَةِ 114) .

وصَرَمْتُ حَبْلَكِ إِذْ صَرَمْتِ؛ لأنَّنِي ... أُخْبِرْتُ أَنَّكِ قَدْ هَوِيتِ سِوَانَا

وكلُّ هذه الشواهدِ دالَّةٌ على أنَّ هذه الكَلِمَةَ ليسَتْ ملازِمَةً للنصبِ على الظَرْفِيَّةِ كما ذَهَبَ إليه سِيبَوَيْهِ والخليلُ وجمهورُ البَصْرِيِّينَ، وادِّعَاؤُهُمْ أنَّ ذلك خاصٌّ بضرورةِ الشعرِ - معَ كثرةِ ما وَرَدَ منه - مِمَّا لا يجوزُ أنْ يُلْتَفَتَ إليه أو يُؤْخَذَ به، وتأويلُ هذه الشواهدِ الكثيرةِ ممَّا لا تَدْعُو إليه ضرورةٌ، ولا يُمْكِنُ ارْتِكَابُهُ إلاَّ معَ التمَحُّلِ والتكَلُّفِ، ولَئِنْ ذَهَبْنَا إلى ارْتِكَابِهِ لم يَبْقَ تَأْصِيلُ قَوَاعِدِ النحوِ مُمْكِنًا.

وقد وَعَدْتُكَ أنْ أُبَيِّنَ لكَ آراءَ النحاةِ في هذه المسألةِ، وأُبَيِّنُ لكَ أَرْجَحَها دَلِيلًا وأَقْرَبَهَا إلى أنْ تَأْخُذَ به، وها أَنَذَا أَفِي لَكَ بِهَذِهِ المَوْعِدَةِ، فأقولُ:

اخْتَلَفَ النُّحاةُ في خُرُوجِ (سِوَى) بجميعِ لُغَاتِها عن النصبِ على الظَرْفِيَّةِ إلى التأثُّرِ بالعواملِ والوقوعِ في مواقعِ الإعرابِ المختلفةِ، ولهم في ذلك ثلاثةُ مذاهِبَ:

الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخليلِ بنِ أَحْمَدَ، وحاصلُه: أنها لا تَخْرُجُ عن النصبِ على الظَرْفِيَّةِ، فإنْ وَرَدَ من كلامِ العربِ شيءٌ يَدُلُّ ظاهرُه على خُرُوجِها عن النصبِ على الظَرْفِيَّةِ إلى التأثيرِ بالعواملِ، فهو مُؤَوَّلٌ إنْ أَمْكَنَ تأويلُه، فإنْ لم يُمْكِنْ تَأْوِيلُه فهو شاذٌّ لا يُقَاسُ عليه.

الثاني: وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُم عليه ابنُ مالِكٍ، وحاصلُه: أنها تأتي ظَرفًا أحيانًا، وتأتي اسمًا متأثِّرًا بالعواملِ أحيانًا أُخْرَى مِن غيرِ ضرورةٍ ولا شُذُوذٍ ولا كثرةٍ لأحدِ الوجهيْنِ.

الثالِثُ: وهو ما ذَهَبَ إليه الرُّمَّانِيُّ وأبو البَقَاءِ العُكْبَرِيُّ، وحاصِلُه: أنَّ هذه الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ ظرفًا منصوبًا على الظَرْفِيَّةِ، وتُسْتَعْمَلُ غيرَ ظرفٍ، ولكنَّ اسْتِعْمَالَهَا ظَرْفًا أكثرُ مِن استعمالِها غيرَ ظرفٍ، وقد اختارَ ابنُ هِشامٍ هذا الرأيَ، وقالَ: (وإلى مَذْهَبِهِما أَذْهَبُ) . اهـ.

وأنتَ لو نَظَرْتَ إلى كثرةِ الشواهدِ الواردةِ عن العربِ المُحْتَجِّ، بِكلامِهِم، والتي اسْتُعْمِلَ (سِوَى) فيها اسمًا، وتَأَثَّرَتْ بالعواملِ - وَجَدْتَهَا كثيرةً كثرةً تَمْنَعُنا من أنْ نَتَمَحَّلَ لتأويلِها، أو أنْ نَدَّعِيَ أنها ضرورةٌ مِن ضروراتِ الشعْرِ، واسْتَمِعْ إلى قولِ ابنِ مالِكٍ في منظومتِه (الكافيةِ الشافيةِ) :

سِوَى كَغَيْرٍ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرْ ... وعَدُّهُ مِنَ الظُّرُوفِ مُشْتَهِرْ

ومانِعٌ تَصْرِيفَهُ مَنْ عَدَّهُ ... ظَرْفًا وَذَا الْقَوْلُ الدَّلِيلُ رَدَّهُ

فإنَّ إِسْنَادًا إِلَيْهَا كَثُرَا ... وجَرُّهَا نَثْرًا وَنَظْمًا شُهِرَا

وقالَ في شرحِ هذا الكلامِ: (سِوَى) اسمٌ يُسْتَثْنَى به، ويَجُرُّ ما يُسْتَثْنَى به للإضافةِ إليه، ويُعْرَبُ هو تقديرًا بما يُعْرَبُ به (غيرٌ) لضفظًا، خِلافًا لأكثرِ البصريِّينَ في ادِّعَاءِ لُزُومِها النصبَ على الظَرْفِيَّةِ، وعَدَمَ التصرُّفِ، وإنما اخْتَرْتُ خِلافَ ما ذَهَبُوا إليه لأمريْنِ: أَحَدُهما: إجماعُ أهلِ اللغةِ على أنَّ معنى قولِ القائلِ: (قَامُوا سِوَاكَ) و (قامُوا غَيْرَك) واحدٌ، وأنه لا أحدَ مِنهم يقولُ: إِنَّ سِوَى عِبارةٌ عن مكانٍ أو زمانٍ، وما لا يَدُلُّ على زمانٍ أو مكانٍ فبِمَعْزِلٍ عن الظَرْفِيَّةِ، والثاني: أنَّ مَن حَكَمَ بِظَرْفِيَّتِها حَكَمَ بِلُزُومِ ذلك، وأنها لا تَتَصَرَّفُ، والواقِعُ في كلامِ العربِ نثرًا ونَظْمًا خِلافُ ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت