الصفحة 420 من 811

وقولُ المصنِّفِ: (ولا تَصْحَبُ ما) معناه: أنَّ (حَاشَا) مثلُ (خَلاَ) في أنها تَنْصِبُ ما بعدَها أو تَجُرُّه، ولكِنْ لا تَتَقَدَّمُ عليها (ما) كما تَتَقَدَّمُ على (خَلاَ) ، فلا تقولُ: (قامَ القومُ ما حاشا زَيْدًا) ، وهذا الذي ذَكَرَه هو الكثيرُ، وقد صَحِبَتْها (ما) قليلًا؛ ففي مُسْنَدِ أبي أُمَيَّةَ الطَّرْسُوسِيِّ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( أُسَامَةُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ مَا حَاشَا فَاطِمَة ) ) [1] .

وقولُه:

178 -رَأَيْتُ النَّاسَ مَا حَاشَا قُرَيْشًا ... فَإِنَّا نَحْنُ أَفْضَلُهُمْ فَعَالاَ [2]

(1) تَوَهَّمَ النُّحَاةُ أنَّ قَوْلَهُ: (مَا حَاشَا فَاطِمَة) مِن كلامِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجَعَلُوا (حَاشا) استثنائيَّةً، واسْتَدَلُّوا به على أنَّ حاشا الاستثنائيَّةَ يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ عليها ما، وذلك غيرُ مُتَعَيَّنٍ، بل يجوزُ أنْ يكونَ هذا الكلامُ مِن كلامِ الراوي يُعَقِّبُ به على قولِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أُسَامَةُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ) )، يريدُ الراوي بذلك أنْ يُبَيِّنَ أنه عليه الصلاةُ والسلامُ لم يَسْتَثْنِ أحدًا من أهلِ بَيْتِهِ، لا فَاطِمَةَ ولا غَيْرَها، فما: نافيةٌ، وحاشى: فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفاطمةَ: مفعولٌ به، ولَيْسَتْ حاشَا هذا هي الاستثنائيَّةَ، بل هي فعلٌ متصرِّفٌ تامُّ التصرُّفِ تُكْتَبُ أَلِفُهُ ياءً؛ لِكَوْنِهَا رابعةً، ومضارِعُه هو الذي وَرَدَ في قولِ النابغةِ الذُّبْيَانِيِّ:

ولا أَرَى فاعلًا في الناسِ يُشْبِهُهُ ... وما أُحَاشِي مِن الأقوامِ مِنْ أَحَدِ

والفرقُ بينَ حاشا الاستثنائيَّةِ وهذا الفعلِ من سِتَّةِ أَوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الاستثنائيَّةَ تكونُ حَرْفًا وتكونُ فِعْلًا، وهذه لا تكونُ إلا فِعلًا.

والثاني: أنَّ الاستثنائيَّةَ - إنْ كانَتْ فِعْلًا - غيرُ مُتَصَرِّفَةٍ، وهذه مُتَصَرِّفَةٌ.

الثالثُ: أنَّ فاعلَ الاستثنائيَّةِ مُسْتَتِرٌ وُجُوبًا، وهذه كَغَيْرِهَا مِن الأفعالِ ماضِيها فاعلُه مُسْتَتِرٌ جَوَازًا.

والرابعُ: أنَّ ألفَ الاستثنائيَّةِ تُكْتَبُ أَلِفًا، وهذه تُكْتَبُ أَلِفُها ياءً.

والخامسُ: أنَّ الاستثنائيَّةَ يَتَعَيَّنُ فيها أنْ تكونَ من كلامِ صاحبِ الكلامِ الأوَّلِ السابقِ عليها، وهذه لَيْسَتْ كذلك، بل لو تَكَلَّمَ بها صاحبُ الكلامِ الأوَّلِ لقالَ: ما أُحَاشِي، أو قالَ: ما حَاشَيْتُ، كما قالَ النابغةُ الذُّبْيَانِيُّ: (وما أُحَاشِي) .

السادِسُ: أنَّ (ما) التي تَسْبِقُ الاستثنائيَّةَ مَصْدَرِيّةٌ أو زائدةٌ، وأمَّا التي تَسْبِقُ هذه فهي نافيةٌ. فاعْرِفْ ذلك وكُنْ حَرِيصًا عليه، واللهُ يَنْفَعُكَ به.

(2) 178 - نَسَبَ العَيْنِيُّ هذا البيتَ للأَخْطَلِ غَوْثِ بنِ غِيَاثٍ، وقد رَاجَعْتُ دِيوَانَ شِعْرِهِ فوَجَدْتُ له قِطْعَةً على هذا الوزنِ والرَّوِيِّ يَهْجُو فيها جَرِيرَ بنَ عَطِيَّةَ، وليسَ فيها بَيْتُ الشاهِدِ.

اللغةُ: (رَأَيْتُ) زَعَمَ العَيْنِيُّ أنَّ (رَأَى) ههنا من الرأيِ، مثلُ التي في قَوْلِهِم: رَأَى أبو حَنِيفَةَ حُرْمَةَ كذا، وعلى هذا تكونُ مُتَعَدِّيَةً إلى مفعولٍ واحدٍ، وليسَ الذي زَعَمَهُ بِسَدِيدٍ، بل هي بمعنى العِلْمِ، وتَتَعَدَّى إلى مفعوليْنِ، وقد ذَكَرَ الشاعرُ مَفْعُولَهَا الأوَّلَ وحَذَفَ الثانِيَ، وتَقْدِيرُهُ: رأيتُ الناسَ دُونَنَا أو أَقَلَّ مِنَّا في المَنْزِلَةِ، ونحوُ ذلك، ويجوزُ أنْ تكونَ جُمْلَةُ (فإنَّا نحنُ أَكْثَرُهُم فِعَالًا) في مَحَلِّ نصبٍ مفعولًا ثانيًا لِرَأَى، وزِيدَتِ الفاءُ فِيهَا كما زِيدَتْ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ في نحوِ قَوْلِهِم: الذي يَزُورُنِي فَلَهُ جائزةٌ سَنِيَّةٌ، (فِعالًا) هو بفتحِ الفاءِ: الكَرَمُ، ويجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ مكسورةً على أنه جمعُ فِعْلٍ.

الإعرابُ: (رَأَيْتُ) فِعْلٌ وفاعِلٌ، (النَّاسَ) مفعولٌ أَوَّلُ، والمفعولُ الثاني محذوفٌ؛ لِدَلاَلَةِ الكلامِ عليه، وتقديرُ الكلامِ: رَأَيْتُ الناسَ أَقَلَّ مِنَّا أو دُونَنَا، مَثَلًا، (ما حاشَا) ما: مصدريَّةٌ، حاشا: فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ على البعضِ المفهومِ من الكلِّ السابقِ، (قُرَيْشًا) مفعولٌ به لِحَاشَا، (فَإِنَّا) الفاءُ للتعليلِ، إنَّ: حَرْفُ توكيدٍ ونَصْبٍ، نا: اسْمُه، (نَحْنُ) تَوْكِيدٌ للضَّمِيرِ المُتَّصِلِ الواقِعِ اسْمًا لإنَّ، (أَفْضَلُهُمْ) أفضلُ خَبَرُ إنَّ، وأفضلُ مُضافٌ وهم مُضافٌ إليه، (فِعَالاَ) تَمْيِيزٌ، ويجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ زائدةً، وتكونُ جملةُ (إنَّ) واسْمُها وخَبَرُها في مَحَلِّ نصبٍ مَفْعُولًا ثانيًا لِرَأَى، ولا عَجَبَ أنْ تُزَادَ الفاءُ في المفعولِ الثاني؛ فإنَّ أَصْلَهُ خَبَرٌ، والفاءُ تُزَادُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ كثيرًا.

الشاهدُ فيه: قولُه: (ما حَاشَا قُرَيْشًا) ؛ حيثُ دَخَلَتْ (ما) المصدريَّةُ على (حَاشَا) ، وذلك قليلٌ، والأكثرُ أنْ تَتَجَرَّدَ مِنها.

واعْلَمْ أنَّ للنُّحَاةِ في كَلِمَةِ (حاشا) ثلاثةُ مَذَاهِبَ:

الأوَّلُ: أنَّها لا تكونُ إلاَّ حَرْفَ جَرٍّ، وأنَّ ما بَعْدَهَا لا يكونُ إلاَّ مَجْرُورًا، وهذا رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، وتَبِعَهُ عليه الزَّمَخْشَرِيُّ، وعُذْرُ سِيبَوَيْهِ أنه لم يَسْمَعِ النصبَ بها عن العربِ ولا عَمَّن رَوَاهُ عنهم، وهو لا يُقَيِّدُ إلاَّ ما اتَّصَلَ بسماعِه.

الثاني: أنها لا تكونُ إلا فِعْلًا، لكِنْ يَجُوزُ فيما بعدَها الجرُّ والنصبُ، فإنْ جَرَرْتَهُ فهو من بابِ حذفِ الجرِّ وبقاءِ عملِه، وإنْ نَصَبْتَهُ فهو من بابِ النصبِ على نَزْعِ الخافِضِ، وأصلُ (حَاشَا زَيْدٍ) - عندَ هؤلاء - حاشا لِزَيْدٍ.

الثالثُ: أنها تكونُ فِعْلًا، فيَنْتَصِبُ ما بعدَها على أنه مفعولٌ به، وتكونُ حرفَ جَرٍّ، فيُجَرُّ ما بعدَه به، وهذا مذهَبُ المُبَرِّدِ والمَازِنِيِّ، وتَبِعَهما ابنُ مالِكٍ، وهذا هو المذهَبُ الذي يُؤَيِّدُهُ السمَاعُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت