فهرس الكتاب
وبقولِهِ: (للدَّلالةِ على الهيئةِ) التمييزُ المُشْتَقُّ، نحوُ: (لِلَّهِ دَرُّهُ فَارِسًا) ؛ فإنَّه تَمْيِيزٌ لا حالٌ على الصحيحِ؛ إذ لم يُقْصَدْ به الدَّلالةُ على الهيئةِ، بل التعجُّبُ مِن فُرُوسِيَّتِهِ، فهو لِبَيَانِ المتعجَّبِ منه، لا لبيانِ هَيْئَتِهِ، وكذلك (رَأَيْتُ رجلًا راكبًا) ؛ فإنَّ (راكبًا) لم يُسَقْ للدلالةِ على الهيئةِ، بل لتخصيصِ الرجلِ. وقولُ المصنِّفِ: (مُفْهِمُ فِي حَالِ) هو معنى قولِنا: (للدَّلالةِ على الهيئةِ) .
وكونُهُ مُنْتَقِلًا مُشْتَقَّا ... يَغْلِبُ لَكِنْ لَيْسَ مُسْتَحَقَّا [1]
الأكثرُ في الحالِ أنْ تكونَ مُنْتَقِلَةً مُشْتَقَّةً.
ومعنى الانتقالِ: ألاَّ تكونَ مُلازِمَةً للمتَّصِفِ بها، نحوُ: (جاءَ زيدٌ راكبًا) ، فـ (راكبًا) وصفٌ مُنْتَقِلٌ؛ لجوازِ انفكاكِه عن (زَيْدٍ) بأنْ يَجِيءَ ماشيًا، وقد تَجِيءُ الحالُ غيرَ مُنْتَقِلَةً [2] ؛ أي: وَصفًا لازِمًا، نحوُ: (دَعَوْتُ اللهَ سَمِيعًا) ، و (خَلَقَ اللهُ الزَّرَافَةَ يَدَيْها أَطْوَلُ مِن رِجْلَيْهَا) ، وقولِهِ:
(1) (وكَوْنُهُ) الواوُ للاستئنافِ، وكونُ: مبتدأٌ، وكونُ مُضافٌ والهاءُ مُضافٌ إليه، من إضافةِ المصدرِ الناقصِ إلى اسمِه، (مُنْتَقِلًا) خبرُ المصدرِ الناقصِ، (مُشْتَقَّا) خبرٌ ثانٍ، (يَغْلِبُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى (كَوْنُهُ مُنْتَقِلًا) ، والجملةُ مِن يَغْلِبُ وفاعِلِهِ في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، (لَكِنْ) حرفُ استدراكٍ، (لَيْسَ) فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، واسمُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى كَوْنُهُ مُنْتَقِلًا ... إلخ، (مُسْتَحَقَّا) خبرُ ليسَ.
(2) تَجِيءُ الحالُ غيرَ مُنْتَقِلَةٍ في ثلاثِ مسائلَ:
الأُولى: أنْ يكونَ العاملُ فيها مُشْعِرًا بتجدُّدِ صاحِبِها، نحوُ قولِهِ تعالى: {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} ، ونحوُ قولِهِم: خلَقَ اللهُ الزرافةَ يَدَيْهَا أطولُ مِن رِجْلَيْهَا، ونحوُ قولِ الشاعِرِ * فجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ * البيتَ الذي أنشدَه الشارِحُ رَحِمَه اللهُ (رَقْم 179) .
الثانيةُ: أنْ تكونَ الحالُ مؤكِّدَةً: إما لِعَامِلِها، نحوُ قولِهِ تعالَى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا} ، وقولِهِ سُبْحَانَهُ: {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} ، وإمَّا =مُؤَكِّدَةً لِصَاحِبِها، نحوُ قولِهِ سُبْحَانَهُ: {لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} ، وإمَّا =مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ قَبْلَها، نحوُ قولِهِم: (زَيْدٌ أَبُوكَ عَطُوفًا) .
الثالثةُ: في أمثلةٍ مسموعةٍ لا ضَابِطَ لها، كقولِهِم: دَعَوْتُ اللهَ سميعًا، وقولِهِ تعالى: {أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} ، وكقولِهِ جلَّ ذِكْرُهُ: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} .