الصفحة 427 من 811

واجْتَهِدْ وَحْدَكَ، وكَلَّمْتُهُ فَاهُ إِلَى فِيَّ، فـ (الجَمَّاءَ والعِرَاكَ ووَحْدَكَ وفَاهُ) أحوالٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، لكِنَّها مُؤَوَّلَةٌ بنَكِرَةٍ، والتقديرُ: جَاؤُوا جَمِيعًا، وأَرْسَلَهَا مُعْتَرِكَةً، واجْتَهِدْ مُنْفَرِدًا، وكَلَّمْتُهُ مُشَافَهَةً [1] .

(1) أُحِبُّ أنْ أُبَيِّنَ لكَ هذه الأمثلةَ التي ذَكَرَهَا الشارِحُ، وذَكَرَهَا النُّحَاةُ مِنْ قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ، بَيَانًا يَتَّضِحُ لكَ به أَمْرُها غايةَ الاتِّضَاحِ، ويَسْهُلُ عليكَ بعدَه أنْ =تبين ما عَسَاكَ أنْ تَجِدَهُ من الأمثلةِ مِمَّا لم يَذْكُرْهُ الشارِحُ ههنا.

وقبلَ أنْ أُبَيِّنَ لكَ الأمثلةَ مثالًا فمثالًا، أرَى أنْ أُقَرِّرَ لكَ قاعدتيْنِ، وأُبَيِّنَ - معَ ذلكَ - السرَّ في كلِّ قاعدةٍ مِنهما، فأقولُ:

القاعدةُ الأُولى: الأصلُ في الحالِ أنْ يكونَ نَكِرَةً، فإنْ جَاءَتْ في كلامٍ ما من كلامِ العربِ مَعْرِفَةً فهي بغيرِ تَرَدُّدٍ - عندَ جَمْهَرَةِ البَصْرِيِّينَ - في تأويلِ النكرةِ، والسرُّ في ذلك أنَّ صاحِبَ الحالِ مَعْرِفَةٌ في أغلبِ حالاتِهِ، والحالُ تَلْتَبِسُ بالنعتِ، فلو جَاءَتِ الحالُ معرفةً وقبلَها اسمٌ مَعْرِفَةٌ يَصِحُّ أنْ يكونَ موصوفًاَ بهذه الحالِ، ظَنَّ السامعُ أنها نَعْتٌ، والْتَبَسَ عليه الأمرُ، فدَفْعًا لهذا الالتباسِ، ورغبةً في إفادةِ المقصودِ من أوَّلِ الأمرِ، الْتَزَمَ العربُ في كلامِهِم إذا أَتَى في الكلامِ اسمٌ مَعْرِفَةٌ ثمَّ جاؤوا بِوَصْفٍ بعدَ هذه المعرفةِ، فإنْ أَرَادُوا جَعْلَ هذا الوصفِ نعتًا جاؤوا به مَعْرِفَةً، وإنْ أَرَادُوا جَعْلَ هذا الوصفِ حالًا جاؤوا به نَكِرَةً، فلم يَلْتَبِسْ على السامعِ الأمرُ.

القاعدةُ الثانيةُ: أنَّ الحالَ وَصْفٌ لِصَاحِبِها، وقَيْدٌ في عَامِلِها، وقد عَلِمْنَا أنَّ الوصفَ الذي هو النعتُ لا يكونُ إلاَّ مُشْتَقًّا، إمَّا اسمَ فاعلٍ وإمَّا اسمَ مفعولٍ، وإمَّا صفةً مُشَبَّهَةً، وإمَّا أَفْعَلَ تفضيلٍ، وإمَّا صيغةَ مبالغةٍ، فإنْ جاءَ الوصفُ جامدًا فهو أَلْبَتَّةَ في تأويلِ الاسمِ المشتَقِّ، فكذلك ما دَلَّ على معناها وقامَ مَقَامَهَا، وهو الحالُ لا يكونُ إلا مُشْتَقًّا، أو في تأويلِ المُشْتَقِّ، ولهذا تَرَاهُمْ يُؤَوِّلُونَ المصدرَ الواقِعَ مَوْقِعَ الحالِ على أحدِ التأويلاتِ الثلاثةِ المشهورةِ؛ لِيَكُونَ في المعنى مُشْتَقًّا، وقد بَيَّنَّا وجهَ ذلك بِدِقَّةٍ، وبَيَّنَّا التأويلاتِ المشارَ إليها في بابِ المبتدأِ والخبرِ؛ إذ كانَ الخبرُ بِمَنْزِلَةِ الحالِ والنعتِ في هذه المسألةِ.

ثم نَأْخُذُ بعدَ ذلك في بيانِ الأمثلةِ واحدًا فواحدًا على تَرْتِيبِها في كلامِ الشارِحِ.

أمَّا المثالُ الأوَّلُ - وهو قولُهُم: (جَاؤُوا الجَمَّاءَ الغَفِيرَ) ، فإنَّ الجَمَّاءَ مُؤَنَّثُ الأَجَمِّ، ونَظِيرُهُ أَبْيَضُ وبَيْضَاءُ، وأحمرُ وحمراءُ، واشتقاقُ الجَمَّاِء والأجمِّ مِن الجَمِّ - بتشديدِ الميمِ - وهو الكثرةُ، تقولُ: ماءٌ جَمٌّ، تريدُ أنه كثيرٌ، وقالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} ؛ أي: حُبًّا كثيرًا، وقالَ الراجِزُ:

إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا

وتقولُ: هذه امرأةٌ جَمَّاءُ المَرَافِقِ، تُرِيدُ أنها كثيرةُ اللحمِ على المرافِقِ. والغفيرُ فَعِيلٌ قيلَ: بمعنى فاعِلٍ، وأصلُ اشتقاقِهِ من الغَفْرِ - بفتحِ الغينِ وسكونِ الفاءِ - وهو السَّتْرُ، تقولُ: غَفَرَ اللهُ تعالَى ذَنْبَكَ، تُرِيدُ سَتَرَهُ عليكَ ولم يَفْضَحْكَ به، والغَفِيرَ في صِنَاعَةِ الإعرابِ صِفَةٌ لِلْجَمَّاءَ، وكانَ مِن حقِّ العربيَّةِ عليهم أنْ يُؤَنِّثُوا الصفةَ؛ لأنَّ الموصوفَ مُؤَنَّثٌ، إلا أنهم عاملوا هذه الصيغةَ معاملةَ أُخْتِها التي هي فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ؛ كقَوْلِهِم: امرأةٌ جَرِيحٌ، وامرأةٌ قَتِيلٌ، وكأنهم حينَ قالُوا: (جاؤوا الجَمَّاءَ الغَفِيرَ) قالُوا: جاؤوا الجماعةَ الساترةَ لوجهِ الأرضِ، يَعْنُونَ أنهم لِكَثْرَتِهِم وعَظِيمِ عَدَدِهِم سَتَرُوا وجهَ الأرضِ، فلم يَظْهَرْ منها شيءٌ. هذا وقد قالُوا في هذا المثالِ: (جاؤوا جَمَّاءَ غَفِيرًا) ، فأتوا به مُنَكَّرًا على الأصلِ في الحالِ.

وأمَّا المثالُ الثاني - وهو قولُهم: (أَرْسَلَهَا العِرَاكَ) - فقد بَيَّنَّاهُ في شرحِ الشاهدِ (رَقْمِ 180) ؛ فلا حاجةَ بنا إلى تَكْرَارِ الكلامِ عليه في هذا الموضِعِ.

وأمَّا المثالُ الثالثُ - وهو قولُهُم: (اجْتَهِدْ وَحْدَكَ) - فإنَّ (وَحْدَكَ) اسمٌ يَدُلُّ على التوحُّدِ والانفرادِ، والغالبُ استعمالُ هذه الكَلِمَةِ منصوبةً، وقد وَرَدَتْ في عِبَارَاتٍ قليلةٍ مجرورةً بالإضافةِ، وذلك نحوُ قولِهِمْ في المدْحِ: (فلانٌ نَسِيجُ وَحْدِهِ، وقَرِيعُ وَحْدِهِ) ، ونحوُ قولِهم في الدَّلالةِ على الإعجابِ بالنفسِ: (فلانٌ رُجَيْلُ وَحْدِهِ) ، ونحوُ قَوْلِهِم في الذمِّ: (فُلانٌ عُيَيْرُ وَحْدِهِ وجُحَيْشُ وَحْدِهِ) .

وقد اخْتَلَفَ النحاةُ في تخريجِ هذه الكلمةِ في حالةِ النصبِ؛ فقالَ سِيبَوَيْهِ والخليلُ بنُ أَحْمَدَ: هو اسمٌ موضوعٌ مَوْضِعَ المصدرِ الموضوعِ مَوْضِعَ المُشْتَقِّ، وهو منصوبٌ على الحالِ، وكأنَّكَ حينَ تقولُ: (جاءَ زَيْدٌ وَحْدَهُ) قد قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ إِيحادًا؛ أي: مُتَوَحِّدًا،، والمعنى: جاءَ مُنْفَرِدًا.

وذَهَبَ يُونُسُ بنُ حَبِيبٍ وهِشَامٌ والكُوفِيُّونَ إلى أنه منصوبٌ على الظَرْفِيَّةِ، واسْتَمِعْ إلى المُحَقِّقِ الرَّضِيِّ يقولُ في شرحِ هذيْنِ المذهبيْنِ: (ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ انْتِصَابُ وَحْدَهُ على الظَرْفِيَّةِ؛ أي: لا معَ غيرِه، فهو في المعنى ضِدُّ مَعًا في قولِكَ: جَاؤُوا مَعًا، وكما أنَّ في مَعًا خلافًا هل هو منتصِبٌ على الحالِ؛ أي: مُجْتَمِعِينَ، أو على الظرفِ؛ أي: في مكانٍ واحدٍ، فكذا اخْتُلِفَ في وَحْدَهُ في نحوِ: جاءَ وَحْدَهُ، أهو حالٌ؛ أي: مُنْفَرِدًا، أو ظَرْفٌ؛ أي: لا معَ غَيْرِهِ) . اهـ كلامُه.

ويقولُ أبو رَجَاءٍ عَفَا اللهُ تعالى عنه: وَلَيْسَ يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَذْهَبَ ذاهبٌ إلى أنَّ وَحْدَهُ مفعولٌ مُطْلَقٌ ما دامَ قدِ اعْتُبِرَ قَائِمًا مَقَامَ المصدرِ، ويَصِحُّ على هذا الاعتبارِ أنْ يكونَ العاملُ فيه فِعْلًا تَقَعُ جُمْلَتُه حالًا؛ أي: جاءَ زيدٌ يَتَوَحَّدُ تَوَحُّدًا، كما يَصِحُّ أنْ يكونَ العاملُ فيه اسمًا مُشْتَقًّا يَقَعُ حالًا؛ أي: جاءَ زَيْدٌ مُتَوَحِّدًا تَوَحُّدًا.

وأمَّا المِثَالُ الرابِعُ - وهو قولُهُم: (كَلَّمْتُهُ فَاهُ إِلَى فِيَّ) فقد وَرَدَتْ هذه العبارةُ بروايتيْنِ: الأولى: (كَلَّمْتُهُ فُوهُ إِلَى فِيَّ) ، وهذه الروايةُ لا إشكالَ فيها ولا خِلافَ في تَوْجِيهِها، وفُوهُ: مبتدأٌ ومُضافٌ إليه، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ خَبَرٌ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ، والروايةُ الثانيةُ: (كَلَّمْتُهُ فاهُ إِلَى فِيَّ) ، وقد وَرَدَ على هذا الوجهِ قولُ أبي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي:

قَبَّلْتُهَا وَدُمُوعِي مَزْجُ أَدْمُعِهَا ... وَقَبَّلَتْنِي عَلَى خَوْفٍ فَمَا لِفَمِ

وهذه الروايةُ هي التي ثارَتْ حولَها عَجَاجَةُ الكلامِ، وكَثُرَ فيها التخريجُ؛ فذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وجَمْهَرَةُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ (فَاهُ) حالٌ، وإنْ كانَ اسمًا جامدًا، وإنْ كانَ مَعْرِفَةً بالإضافةِ؛ لأنَّه في قُوَّةِ اسمٍ مُشْتَقٍّ مُنَكَّرٍ، والجارُّ والمجرورُ بعدَه مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ صفةٌ لِفَاهُ؛ لأنَّه نَكِرَةٌ في التقديرِ كما قُلْتُ لك، وكأنه قالَ: فاهُ مُوَجَّهًا إلى فِيَّ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ (فَاهُ) مفعولٌ به لاسمِ فاعلٍ محذوفٍ يَقَعُ حالًا، وكأنه قد قِيلَ: كَلَّمْتُهُ جَاعِلًا فاهُ إلى فِيَّ.

وقد اخْتَلَفُوا بعدَ ذلك في جَوَازِ القِيَاسِ على هذه العبارةِ؛ فالجمهورُ على أنه لا يجوزُ القياسُ عليها، وذَهَبَ هِشَامٌ إلى أنه يجوزُ القياسُ عليها، فيقالُ مثلًا: جَاوَرْتُهُ مَنْزِلَهُ إلى مَنْزِلِي، وناضَلْتُه قَوْسَهُ عن قَوْسِي، ونحوُ ذلك.

وأَحْسَبُنِي قد أَطَلْتُ عليكَ، لكنِّي إنما قَصَدْتُ أنْ أُقَرِّبَ إليكَ هذه الأمثلةَ، واخْتِلافَ العلماءِ فيها، وأَشْرَحَ لكَ ذلك كُلَّهَ بعبارةٍ يَسْهُلُ عليك فَهْمُها، ولا يَبْعُدُ على ذِهْنِكَ وَعْيُها، واللهُ المسؤولُ أنْ يَنْفَعَكَ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت