فهرس الكتاب
وزَعَمَ البَغْدَادِيُّونَ ويُونُسُ، أنه يَجُوزُ تعريفُ الحالِ مُطْلَقًا بلا تأويلٍ، فأَجَازُوا (جاءَ زيدٌ الراكِبَ) ، وفَصَّلَ الكُوفِيُّونَ فقالوا: إنْ تَضَمَّنَتِ الحالُ معنَى الشرطِ صَحَّ تَعْرِيفُها، وإلاَّ فلا، فمِثالُ ما تَضَمَّنَ معنى الشرطِ (زَيْدٌ الراكِبَ أَحْسَنُ مِنْهُ الماشِيَ) ، فـ (الراكِبَ والماشِيَ) حالاَنِ، وصَحَّ تَعْرِيفُهما؛ لِتَأَوُّلِهِمَا بالشرطِ؛ إذِ التقديرُ: زَيْدٌ إذَا رَكِبَ أَحْسَنُ مِنه إذا مَشَى. فإنْ لم تَتَقَدَّرْ بالشرطِ لم يَصِحَّ تعريفُها، فلا تقولُ: (جاءَ زيدٌ الراكِبُ) ؛ إذ لا يَصِحُّ (جاءَ زَيْدٌ إِنْ رَكِبَ) .
ومَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حَالًا يَقَعْ ... بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ [1]
حَقُّ الحالِ أنْ يكونَ وَصْفًا، وهو ما دَلَّ على معنًى وصاحبِه؛ كقائمٍ وحَسَنٍ ومَضْرُوبٍ، فوُقُوعُها مصدرًا على خلافِ الأصلِ؛ إذ لا دَلالةَ فيه على صاحبِ المعنَى [2] .
(1) (مَصْدَرٌ) مبتدأٌ، (مُنَكَّرٌ) نَعْتٌ لِمَصْدَرٌ، (حَالًا) منصوبٌ على الحالِ، وصاحِبُه الضميرُ المُسْتَتِرُ في (يَقَعُ) الآتي، (يَقَعْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى مصدرٌ مُنَكَّرٌ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، (بِكَثْرَةٍ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَقَعُ، (كَبَغْتَةً) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، بَغْتَةً: حالٌ مِن الضميرِ المُسْتَتِرِ في (طَلَعَ) الآتي، (زَيْدٌ) مبتدأٌ، (طَلَعْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى زيدٌ، والجملةُ في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
(2) اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ في هذا الموضوعِ خِلافيْنِ أشارَ الشارِحُ إليهما، وتَحَدَّثَ عن كلِّ واحدٍ مِنهما حَديثًا مُقْتَضَبًا، حيثُ لا يكادُ القارِئُ يُمَيِّزُهُما، ونحنُ نُرِيدُ لكَ أنْ تَفْهَمَ الأمرَ فَهْمًا واضحًا، ولهذا رَأَيْنَا أنْ نُبَيِّنَ لكَ الخِلافيْنِ، ونُفْرِدَ أَحَدَهما عن الآخَرِ، ونُبَيِّنَ - معَ كلِّ واحدٍ مِنهما - آراءَ العلماءِ الذين اخْتَلَفُوا فيه.
فأمَّا الخلافانِ: فأَحَدُهما: في إعرابِ المصدرِ المنكَّرِ في نحوِ قولِكَ: (جاءَ مُحَمَّدٌ رَكْضًا) ، وثانيهما: في جوازِ القياسِ على هذا التركيبِ.
فأمَّا الخلافُ الأوَّلُ فقدْ أشارَ الشارِحُ إليه بقولِهِ: (وهو منصوبٌ على الحالِ، وهذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجمهورِ، وذَهَبَ الأخفشُ .. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ) وحاصلُ هذا الاختلافِ أنَّ للعلماءِ فيه سِتَّةُ آراءٍ.
الأوَّلُ - وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وجمهرةِ النحاةِ - أنَّ هذا المصدرَ نفسَه حالٌ، وأنه على التأويلِ بالوصفِ المناسِبِ، وحُجَّتُهُم فيما ذَهَبُوا إليه أنَّ المصدرَ قد وَقَعَ خَبَرًا في كلامِ العربِ في نحوِ قولِهِم: زيدٌ عَدْلٌ، ورِضًا، وصَوْمٌ، وفِطْرٌ، كما وَقَعَ نَعْتًا كذلك، والخبرُ والنعتُ أَخَوَا الحالِ، وأيضًًاً فإنَّ المَصْدَرَ والوصفَ يَتَقَارَضَانِ في الكلامِ، فيَقَعُ كلٌّ مِنهما موقِعَ الآخرِ، فيَقَعُ الوصفُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، والأصلُ فيه المصدرُ، نحوُ قَوْلِهِم: قُمْ قَائِمًا، وسِرْتُ أَشَدَّ السَّيْرِ، وتَأَدَّبْتُ أَكْمَلَ التأدُّبِ، ويَقَعُ المصدرُ خَبَرًا ونَعْتًا، والأصلُ في الموضعيْنِ للوصفِ.
الثاني - وهو مَذْهَبُ الأخفشِ والمبرِّدِ - أنَّ هذا المصدرَ مفعولٌ مطلَقٌ عامِلُه فِعْلٌ مِن لَفْظِهِ، وجملةُ الفعلِ وفاعِلِهِ حالٌ، وتقديرُ (جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا) : جاءَ زيدٌ يَرْكُضُ رَكْضًا.
الثالِثُ - وهو رَأْيُ أبي عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ - أنَّ هذا المصدرَ مفعولٌ مُطْلَقٌ عَامِلُهُ وَصْفٌ مَحْذُوفٌ يَقَعُ حَالًا، فتقديرُ المثالِ المذكورِ: جاءَ زيدٌ رَاكِضًا رَكْضًا.
الرابعُ - وهو قولُ الكُوفِيِّينَ ـ أنَّ هذا المصدرَ مفعولٌ مطلَقٌ مُبَيِّنٌ لنوعِ عاملِهِ، وعاملُه هو نَفْسُ الفعلِ المتقدِّمِ في الكلامِ، ونظيرُ ذلك قولُهم: أَحْبَبْتُهُ مِقَةً، وشَنِئْتُهُ بُغْضًا.
الخامِسُ: أنَّ المصدرَ المذكورَ أصلُه مُضافٌ إليه، والمُضافُ المحذوفُ مصدرٌ آخَرُ مِن لفظِ الفعلِ المتقدِّمِ في الكلامِ، وأصلُ المثالِ المذكورِ: جاءَ زيدٌ مَجِيءَ رَكْضٍ.
السادِسُ: أنَّ هذا المصدرَ حالٌ على تقديرِ مُضافٍ هو وَصْفٌ أو مُؤَوَّلٌ بوَصْفٍ، فتقديرُ المثالِ المذكورِ - على هذا الرأيِ - جاءَ زيدٌ صاحبَ رَكْضٍ، أو ذا رَكْضٍ، على نحوِ تَأْوِيلِهِ المصدرَ الواقِعَ خبرًا.
وأمَّا الاخْتِلاَفُ الثاني - وهو الذي أَشَارَ الشارِحُ إليه بقولِهِ: (وقد كَثُرَ مَجِيءُ الحالِ مَصْدرًا نَكِرَةً، ولكنَّه ليسَ بِمَقِيسٍ) ، فإنَّا نَذْكُرُ لكَ أَوَّلًا أنه قد وَرَدَ عن العربِ في ألفاظٍ كثيرةٍ جِدًّا، حتى قالَ أبو حَيَّانَ: (ووُرُودُ المصدرِ حالًا أكثرُ مِن وُرُودِهِ نَعْتًا) . اهـ. ومنه قولُه تعالى: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} ، وقولُه: {يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} ، وقولُه: {ادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} ، وقولُه: {إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا} ، وقالَ العربُ: قَتَلْتُهُ صَبْرًا، وأَتَيْتُهُ رَكْضًا، ومَشْيًا وعَدْوًا، ولَقِيتُهُ فَجْأَةً، وكِفَاحًا، وعِيَانًا، وكَلَّمْتُهُ مُشَافَهَةً، وأَخَذْتُ عن فلانٍ سَمَاعًا، وكثيرٌ غيرُ هذا من الأمثلةِ الواردةِ عنهم.
وقد اخْتَلَفَ النحاةُ في جوازِ القياسِ على ما وَرَدَ عن العربِ.
فأمَّا سِيبَوَيْهِ وَأَصْحَابُهُ فلم يُجِزِ القياسَ عليها، معَ كَثْرَتِهَا، ومعَ أنه رَوَى الكثيرَ مِمَّا سَمِعَه عن العربِ، وجَزَمَ بأنَّ ما وَرَدَ عنهم يُحْفَظُ ويُسْتَعْمَلُ ولا يُقاسُ عليه، وعُذْرُهُ في ذلك أنه خِلافُ الأصلِ، مِن قِبَلِ أنَّ الحالَ في المعنى وَصْفٌ لِصَاحِبِها، وما جاءَ على خِلافِ القياسِ فغَيْرُهُ عليه لا يَنْقَاسُ.
وأمَّا أبو العبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ الثُّمَالِيِّ المعروفِ بالمبرِّدِ فقد اخْتَلَفَ نقلُ العلماءِ عنه، فمِنهم مَن نَقَلَ عنه أنه يُجَوِّزُ القياسَ على ما وَرَدَ عن العربِ مُطلقًا، ونعني بالإطلاقِ ههنا أنه يَسْتَوِي في جوازِ القياسِ أنْ يكونَ المصدرُ نوعًا من الفعلِ، نحوُ: كَلَّمْتُهُ مُشَافَهَةً، وجِئْتُهُ سُرْعَةً، وألاَّ يكونَ المصدرُ نوعًا من الفعلِ، نحوُ: جاءَ على بُكَاءٍ، ومن العلماءِ مَن نَقَلَ عنه أنه يُجَوِّزُ القياسَ فيما كانَ المصدرُ نَوْعًا من الفعلِ، دونَ ما لا يكونُ كذلك، قالَ المُحَقِّقُ الرَّضِيُّ: (ثُمَّ اعْلَمْ أنه لا قِيَاسَ في شيءٍ مِن المصادرِ يَقَعُ حالًا، بل يُقْتَصَرُ على ما سُمِعَ منها، نحوُ: قَتَلْتُهُ صَبْرًا، والمبرِّدُ يَسْتَعْمِلُ القياسَ في المصدرِ الواقِعِ حَالًا إذا كانَ من أنواعِ ناصبِه، نحوُ: أتانا رُجْلَةً وسُرْعَةً وبُطْئًا، ونحوِ ذلك، وأمَّا ما ليسَ مِن تَقْسِيمَاتُه وأنواعِه فلا خِلافَ أنه ليسَ بقياسِيٍّ، فلا يقالُ: جاءَ ضَحِكًاَ، وبُكَاءً ونَحْوُ ذلكَ؛ لِعَدَمِ السماعِ) . اهـ.
وأمَّا ابنُ مالِكٍ ومُشَايِعُوهُ فقد أَجَازُوا القِيَاسَ على ثلاثةِ أنواعٍ مِن المصدرِ المُنَكَّرِ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ المصدرُ المنصوبُ واقعًا بعدَ خبرٍ مُقْتَرِنٍ بألِ الدالَّةِ على الكمالِ، وقد وَرَدَ مِن ذلك قولُهم: أنتَ الرجلُ عِلمًا. وأجازَ هؤلاء أنْ تقولَ: أنتَ الرجُلُ فَضْلًا، ونُبْلًا، وحِلمًا، ومُرُوءَةً، وشَجَاعَةً، وإِقْدَامًا، وأنْ تقولَ: أنتَ الصَّدِيقُ تَضْحِيَةً، وإخلاصًا.
الثاني: مِن ذلك قولُهم: هو زُهَيْرٌ شِعْرًا، وأجازَ هؤلاءِ لكَ أنْ تَقولَ: مُحَمَّدٌ حاتِمٌ جُودًا، وعليٌّ قَضَاءً، وإِيَاسٌ زَكَانَةً، وعُمَرُ عَدْلًا، =وحثيفٌ إِباءً، والأَحْنَفُ حِلْمًا، ويُوسُفُ جَمَالًا، وما أَشْبَهَ ذلك.
الثالِثُ: أنْ يَقَعَ المصدرُ المنكَّرُ المنصوبُ بعدَ أمَّا الشَرْطِيَّةُ، وذلك نحوُ: أمَّا عِلْمًا فعالِمٌ، وأَمَّا نُبْلًا فنَبِيلٌ، وأمَّا حِلْمًا فحَلِيمٌ، وأمَّا كَرَمًا فكَرِيمٌ، وسِيبَوَيْهِ يَجْعَلُ هذا المصدرَ الواقِعَ بعدَ أمَّا حالًا بِتَأْوِيلِهِ بالمُشْتَقِّ، ويَجْعَلُ العاملَ في هذا الحالِ هو الفِعْلَ المقدَّرَ الذي نَابَتْ عنه أمَّا، ويَجْعَلُ صاحبَ هذا الحالِ هو الاسمَ المرفوعَ بأداةِ الشرطِ.