الصفحة 430 من 811

وذَهَبَ الأخفشُ والمُبَرِّدُ إلى أنه منصوبٌ على المَصْدَرِيَّةِ، والعاملُ فيه محذوفٌ، والتقديرُ: طَلَعَ زَيْدٌ يَبْغَتُ بَغْتَةً، فـ (يَبْغَتُ) عندَهما هو الحالُ، لا (بَغْتَةً) .

وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنه منصوبٌ على المصدريَّةِ كما ذَهَبَا إليه، ولكنَّ الناصِبَ له عندَهم الفعلُ المذكورُ، وهو طَلَعَ؛ لِتَأْوِيلِهِ بفعلٍ مِن لفظِ المصدرِ، والتقديرُ في قولِكَ: (زَيْدٌ طَلَعَ بَغْتَةً) ، (زَيْدٌ بَغَتَ بَغْتَةً) ، فيُؤَوِّلُونَ (طَلَعَ) بِبَغَتَ، ويَنْصِبُونَ به (بَغْتَةً) .

ولم يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ ... لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ [1]

مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ (لاَ ... يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلاَ) [2]

حقُّ صاحبِ الحالِ أنْ يكونَ مَعْرِفَةً، ولا يُنَكَّرُ في الغالِبِ إلاَّ عِنْدَ وُجُودِ مُسَوِّغٍ، وهو أحدُ أُمُورٍ [3] :

(1) (ولم) نافيةٌ جازمةٌ، (يُنَكَّرْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، مجزومٌ بلم، (غالبًا) حالٌ مِن نائبِ الفاعلِ، (ذو) نائبُ فاعلِ يُنَكَّرْ، وذو مُضافٌ و (الحالِ) مُضافٌ إليه، (إِنْ) شَرْطِيَّةٌ، (لم) نافيةٌ جازمةٌ، (يَتَأَخَّرْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مجزومٌ بلم فِعْلُ الشرطِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى ذو الحالِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، والتقديرُ: إنْ لم يَتَأَخَّرْ ذو الحالِ ... إلخ فلا يُنَكَّرْ، (أو يُخَصَّصْ، أو يَبِنْ) معطوفانِ على يَتَأَخَّرْ.

(2) (مِن بعدِ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَبِنْ في البيتِ السابقِ، وبعدِ مُضافٌ و (نفيٍ) مُضافٌ إليه، (أو) عاطِفَةٌ، (مُضَاهِيهِ) مُضاهِي: معطوفٌ على نفيٍ، ومضاهي مُضافٌ وضميرُ الغائبِ العائدُ إلى نفيٍ مُضافٌ إليه، (كَلاَ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، لا: ناهيةٌ، (يَبْغِ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مجزومٌ بلا الناهيةِ، (امْرُؤٌ) فاعلُ يَبْغِ، (على امْرِئٍ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَبْغِ، (مُسَْسْهِلاَ) حالٌ مِن قولِهِ: (امْرُؤٌ) الفاعِلِ.

(3) ذَكَرَ الشارِحُ - تَبَعًا للناظِمِ - مِن مُسَوِّغَاتِ مَجِيءِ الحالِ مِن النكرةِ ثلاثةَ مُسَوِّغَاتٍ:

أوَّلُها: تَقَدُّمُ الحالِ، وثانيها: تَخَصُّصُ صاحبِها بوصفٍ أو بإضافةٍ، وثالثُها: وُقُوعُ النكرةِ بعدَ النفيِ أو شِبْهِهِ، وبَقِيَ من المسوِّغاتِ ثلاثةٌ أُخْرَى لم يُصَرِّحْ بها:

الأوَّلُ: أنْ تكونَ الحالُ جملةً مُقْتَرِنَةً بالواوِ، كما في قولِكَ: زَارَنَا رَجُلٌ والشمسُ طالعةٌ، والسرُّ في ذلك أنَّ وُجُودَ الواوِ في صدرِ الجملةِ يَرْفَعُ تَوَهُّمَ أنَّ هذه الجملةَ نَعْتٌ للنكرةِ؛ إذ النعْتُ لا يُفْصَلُ بينَه وبينَ المنعوتِ بالواوِ، ففي قَوْلِهِ تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} مُسَوِّغَانِ، بل ثلاثةٌ، وهي تَقَدُّمُ النفيِ، ووُقُوعُ الواوِ في صدرِ جملةِ الحالِ، والثالثُ اقْتِرَانُ الجملةِ بإلاَّ؛ لأنَّ الاستثناءَ المُفَرَّغَ لا يَقَعُ في النعوتِ، وأمَّا قولُه تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} فالمُسَوِّغُ وقوعُ الواوِ في صدرِ جملةِ الحالِ.

الثاني: أنْ تكونَ الحالُ جامدةً، نحوُ قولِكَ: هذا خاتَمٌ حَدِيدًا، والسرُّ في ذلك أنَّ الوصفَ بالجامِدِ على خلافِ الأصلِ، فلا يَذْهَبُ إليه ذَاهِبٌ، وقد ساغَ في مثلِ هذا أنْ تكونَ الحالُ جامدةً كما عَلِمْتَ (انْظُرْ ص 246 وما بعدَها) .

الثالِثُ: أنْ تكونَ النكرةُ مُشْتَرَكَةً معَ مَعْرِفَةٍ أو معَ نَكِرَةٍ يَصِحُّ أنْ تَجِيءَ الحالُ منها؛ كقولِكَ: زَارَنِي خالدٌ ورَجُلٌ رَاكِبَيْنِ، أو قولِكَ: زَارَنِي رَجُلٌ صالحٌ وامرأةٌ مُبَكِّرِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت