الصفحة 433 من 811

وكقولِ الشاعِرِ:

183 -نَجَّيْتَ يَا رَبِّ نُوحًا وَاسْتَجَبْتَ لَهُ ... فِي فُلُكٍ مَاخِرٍ فِي الْيَمِّ مَشْحُونَا

وَعَاشَ يَدْعُو بِآيَاتٍ مُبَيِّنَةٍ ... في قَوْمِهِ أَلْفَ عَامٍ غَيْرَ خَمْسِينَا [1]

ومثالُ ما تَخَصَّصَ بالإضافةِ قولُه تعالى: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} .

ومنها أنْ تَقَعَ النكرةُ بعدَ نفيٍ أو شِبْهِهِ، وشِبْهُ النفيِ هو الاستفهامُ والنهيُ، وهو المرادُ بقولِهِ: (أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ) ، فمثالُ ما وَقَعَ بعدَ النفيِ قَوْلُهُ:

184 -مَا حُمَّ مِنْ مَوْتٍ حِمًى وَاقِيَا ... وَلاَ تَرَى مِنْ أَحَدٍ بَاقِيَا [2]

(1) 183 - البيتانِ مِن الشواهدِ التي لم يَذْكُرُوها منسوبةً إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ.

اللغةُ: (الفُلْكُ) أصلُه بضمٍّ فسكونٍ: السفينةُ، ولفظُه للواحدِ والجمعِ سواءٌ، وقد تَتْبَعُ حركةُ عينِه التي هي اللامُ حَرَكَةَ الفاءِ كما في بيتِ الشاهدِ، (مَاخِرٍ) اسمُ فاعلٍ من مَخَرَتِ السفينةُ - من بابَيْ قَطَعَ ودَخَلَ - إذا جَرَتْ تَشُقُّ الماءَ معَ صوتٍ، (اليمِّ) البَحْرِ، أو الماءِ، (مَشْحُونَا) اسمُ مفعولٍ مِن شَحَنَ السفينةَ؛ أي: مَلأَهَا، (آياتٍ مُبَيِّنَةٍ) ظاهرةٍ واضحةٍ، أو أنها تُبَيِّنُ حالَهُ وتَدُلُّ على صدقِ دَعْوَاهُ.

الإعرابُ: (نَجَّيْتَ) فعلٌ وفاعلٌ، (يا رَبِّ) يا: حرفُ نداءٍ، ربِّ: منادًى، وجملةُ النداءِ لا مَحَلَّ لها مُعْتَرِضَةٌ بينَ الفعلِ معَ فاعلِهِ ومفعولِهِ، (نُوحًا) مفعولٌ به لِنَجَّيْتَ، (وَاسْتَجَبْتَ) الواوُ عاطِفَةٌ، وما بعدَها فِعْلٌ وفاعلٌ، (له) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ باسْتَجَبْتَ، (في فُلْكٍ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِنَجَّيْتَ، (ماخرٍ) صفةٌ لِفُلْكٍ، (في اليَمِّ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بماخِرٍ، (مَشْحُونَا) حالٌ من فُلْكٍ، (وعاشَ) الواوُ عاطِفَةٌ، عاشَ: فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى نوحٍ، (يَدْعُو) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفيه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى نوحٍ فاعِلٌ، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ، (بِآيَاتٍ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَدْعُو، (مُبَيِّنَةٍ) صفةٌ لآياتٍ، (في قَوْمِهِ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بعاشَ، وقومِ مُضافٌ والضميرُ العائدُ إلى نوحٍ مُضافٌ إليه، (أَلْفَ) مفعولٌ فيه ناصِبُه عاشَ، وألفَ مُضافٌ و (عامٍ) مُضافٌ إليه، (غَيْرَ) منصوبٌ على الاستثناءِ أو على الحالِ، وغيرَ مُضافٌ و (خَمْسِينَا) مُضافٌ إليه مجرورٌ بالياءِ؛ لأنَّه مُلْحَقٌ بجمعِ المذكَّرِ السالِمِ، والألفُ في آخِرِهِ للإطلاقِ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (مَشْحُونَا) ؛ حيثُ وقَعَ حالًا من النكرةِ، وهي قولُه: (فُلْكٍ) ، والذي سَوَّغَ مجيءَ الحالِ من النكرةِ أنها وُصِفَتْ بقولِهِ: (ماخرٍ) فقُرِّبَتْ مِن المعرفةِ.

(2) 184 - البيتُ لراجِزٍ لم يُعَيِّنْهُ أَحَدٌ مِمَّن اسْتَشْهَدَ به مِن النُّحَاةِ.

اللغةُ: (حُمَّ) بالبناءِ للمجهولِ؛ أي: قُدِّرَ وهُيِّئَ، وتقولُ: أَحَمَّ اللهُ تعالَى هذا الأمر وحَمَّهُ، إذا قَدَّرَ وُقُوعَه، وهَيَّأَ له أسبابَه (انْظُرْ ص 261) ، (وَاقِيَا) اسمُ فاعلٍ مِن (وَقَى يَقِي) ، بمعنى حَفِظ يَحْفَظُ.

المعنى: إنَّ اللهَ تعالى لم يُقَدِّرْ شيئًا يَحْمِي من الموتِ، كما أنه سُبْحَانَهُ لم يَجْعَلْ لأحدٍ مِن خَلْقِهِ الخلودَ، فاسْتَعِدَّ للموتِ دائمًا.

الإعرابُ: (ما) نافيةٌ، (حُمَّ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، (مِن موتٍ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (وَاقِيَا) الآتي، (حِمًى) نائبُ فاعلٍ لِحُمَّ، (وَاِقيَا) حالٌ مِن حِمًى، (ولا) الواوُ عاطِفَةٌ، ولا: زائدةٌ لتأكيدِ النفيِ، (تَرَى) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (مِن) زائدةٌ، (أَحَدٍ) مفعولٌ به لِتَرَى، (بَاقِيَا) حالٌ مِن أَحَدٍ، وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ (تَرَى) بَصْرِيَّةٌ، فإذا جَرَيْتَ على أنَّ (تَرَى) عِلْمِيَّةٌ كانَ قولُه: (بَاقِيَا) مفعولًا ثانيًا لِتَرَى.

الشاهدُ فيه: قولُه: (واقيَا) و (باقِيَا) ؛ حيثُ وَقَعَ كلٌّ مِنهما حالًا من النكرةِ، وهي (حِمًى) بالنسبةِ لـ (وَاقِيَا) ، و (أَحَدٍ) بالنسبةِ لـ (بَاقِيَا) ، والذي سَوَّغَ ذلك أنَّ النَّكِرَةَ مسبوقةٌ بالنفيِ في الموضعيْنِ.

وإنما يكونُ الاستشهادُ بقولِهِ: بَاقِيَا إذا جَعَلْنَا (تَرَى) بَصَرِيَّةً؛ لأنَّها تحتاجُ حِينَئِذٍ إلى مفعولٍ واحدٍ، وقد اسْتَوْفَتْهُ، فالمنصوبُ الآخَرُ يكونُ حالًا، أمَّا إذا جَعَلْتَ (تَرَى) عِلْمِيَّةً فإنَّ قولَه: (بَاقِيَا) يكونُ مفعولًا ثانيًا، كما بَيَّنَّاهُ في الإعرابِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت