الصفحة 434 من 811

ومنه قولُه تعالى [1] : {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} ، فـ (لَهَا كِتَابٌ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (قَرْيَةٍ) ، وصَحَّ مَجِيءُ الحالِ مِن النكرةِ؛ لِتَقَدُّمِ النفيِ عليها، ولا يَصِحُّ كونُ الجملةِ صفةً لِقَرْيَةٍ، خِلافًا للزَّمَخْشَرِيِّ؛ لأنَّ الواوَ لا تَفْصِلُ بينَ الصفةِ والموصوفِ، وأيضًًا وُجُودُ (إلاَّ) مانعٌ مِن ذلك؛ إذ لا يُعْتَرَضُ بـ (إلاَّ) بينَ الصفةِ والموصوفِ، ومِمَّن صَرَّحَ بِمَنْعِ ذلك أبو الحَسَنِ الأَخْفَشُ في (المسائلِ) ، وأبو عليٍّ الفارِسِيُّ في (التَّذْكِرَةِ) .

ومثالُ ما وَقَعَ بعدَ الاستفهامِ قولُه:

185 -يَا صَاحِ هَلْ حُمَّ عَيْشٌ بَاقِيًا فَتَرَى لِنَفْسِكَ الْعُذْرَ فِي إِبْعَادِهَا الأَمَلاَ [2]

(1) انْظُرْ ما كَتَبْنَاهُ عن هذه الآيةِ في (ص 256) .

(2) 185 - أكثرُ ما قِيلَ في نِسْبَةِ هذا البيتِ أنه لِرَجُلٍ مِن طَيِّئٍ، ولم يُعَيِّنْهُ أَحَدٌ مِمَّن اسْتَشْهَدَ بالبيتِ أو تَكَلَّمَ عليه.

اللغةُ: (صاحِ) أَصْلُهُ صَاحِبِي، فرَخَّمَ بحذفِ آخرِهِ تَرْخِيمًا غيرَ قِيَاسِيٍّ؛ إذ هو في غَيْرِ عَلَمٍ، وقياسُ الترخيمِ أنْ يكونَ في الأعلامِ، وهو أيضًًاً مركَّبٌ إضافيٌّ، (هل حُمَّ عَيْشٌ) (انْظُرْ ص 260) ، والاستفهامُ ههنا إنكاريٌّ بمعنى النفيِ، فكأنه قالَ: ما قَدَّرَ اللهُ عَيْشًا باقيًا، (العُذْرَ) هو كلُّ ما تَذْكُرُهُ لِتَقْطَعَ عنك أَلْسِنَةَ العِتَابِ واللَّوْمِ.

الإعرابُ: (يا) حرفُ نِداءٍ، (صَاحِ) مُنَادًى مُرَخَّمٌ، (هل) حرفُ استفهامٍ، (حُمَّ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، (عَيْشٌ) نائبُ فاعلِ حُمَّ، (بَاقِيًا) حالٌ مِن عَيْشٌ، (فَتَرَى) الفاءُ فاءُ السببيَّةِ، تَرَى: فِعْلٌ مُضَارِعٌ منصوبٌ تَقْدِيرًا بأنْ مُضْمَرَةً بعدَ الفاءِ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (لِنَفْسِكَ) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَرَى، وهو المفعولُ الثاني قُدِّمَ على المفعولِ الأوَّلِ، ونفسِ مُضافٌ وضميرُ المخاطَبِ مُضافٌ إليه، (العُذْرَ) مفعولٌ أوَّلُ لِتَرَى، (في إِبْعَادِهَا) الجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بالعُذْرَ، وإبعادِ مُضافٌ وها مُضافٌ إليه، وهي من إضافةِ المصدرِ إلى فاعلِهِ، (الأَمَلاَ) مفعولٌ به للمَصْدَرِ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (باقيًا) ؛ حيثُ وَقَعَتْ حالًا مِن النكرةِ، وهي قولُه: (عَيْشٌ) ، والذي سَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنها وُقُوعُها بعدَ الاستفهامِ الإنكاريِّ الذي يُؤَدِّي معنَى النفيِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت