الصفحة 435 من 811

ومثالُ ما وَقَعَ بعدَ النهيِ قولُ المصنِّفِ: (لاَ يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلًا) ، وقولُ قَطَرِيِّ بنِ الفُجَاءَةَ:

186 -لاَ يَرْكَنَنْ أَحَدٌ إِلَى الإِحْجَامِ ... يَوْمَ الْوَغَى مُتَخَوِّفًا لِحِمَامِ [1]

واحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (غَالِبًا) مِمَّا قَلَّ مَجِيءُ الحالِ فِيهِ مِن النكرةِ بلا مُسَوِّغٍ مِن المسوِّغاتِ المذكورةِ، ومنه قولُهم: (مَرَرْتُ بماءٍ قِعْدَةَ رَجُلٍ) [2] ، وقولُهم: (عليه مِائَةٌ بِيضًا) [3] .

وأجازَ سِيبَوَيْهِ: (فيها رَجُلٌ قائمًا) ، وفي الحديثِ: (صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ رِجَالٌ قِيَامًا) [4] .

(1) 186 - البيتُ - كما قالَ الشارِحُ العلاَّمَةُ - لأبي =نَعَاَمَةَ قَطَرِيِّ بنِ الفُجَاءَةَ التَّمِيمِيِّ الخَارِجِيِّ، وقد نَسَبَه ابنُ الناظِمِ إلى الطِّرْمَاحِ بنِ حَكيمٍ، ولهذا صَرَّحَ الشارِحُ بِنِسْبَتِهِ إلى قَطَرِيٍّ؛ قصدًا إلى الردِّ عليه وتصحيحِ خَطَئِهِ، وقَطَرِيٌّ: بفتحِ القافِ والطاءِ جميعًا، والفُجَاءَةُ: بِضَمِّ الفاءِ.

اللغة: (الإِحْجَامُ) التأخُّرُ والنُّكُولُ عن لِقَاءِ العدوِّ، والرُّكُونُ إليه: المَيْلُ إليه، والاعتمادُ عليه، (الْوَغَى) الحربُ، (الحِمَامُ) بِكَسْرِ الحاءِ: الموتُ.

المعنى: لا يَنْبَغِي لأحدٍ أَنْ يَمِيلَ إلى الإعراضِ عن اقتحامِ الحربِ، ويَرْكَنُ إلى التوانِي؛ خَوْفًا من الموتِ.

الإعرابُ: (لا) ناهيةٌ، (يَرْكَنَنْ) يَرْكَنَ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ على الفتحِ؛ لاتِّصَالِهِ بنونِ التوكيدِ الخفيفةِ في مَحَلِّ جزمٍ بلا الناهيةِ، (أَحَدٌ) فاعلُ يَرْكَنَ، (إلى الإحجامِ) جارٌّ ومَجْرُورٌة متعَلِّقٌ بِيَرْكَنَ، (يَوْمَ) ظرفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِيَرْكَنَ أيضًًاً، ويومَ مُضافٌ و (الْوَغَى) مُضافٌ إليه، (مُتَخَوِّفًا) حالٌ مِن أَحَدٌ، (لِحِمَامِ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمتخوِّفٍ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (مُتَخَوِّفًا) ؛ حيثُ وَقَعَ حالًا من النكرةِ التي هي قولُه: (أَحَدٌ) ، والذي سَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِن النكرةِ هنا هو وُقُوعُها في حَيِّزِ النهيِ بلا، ألاَ تَرَى أنَّ قَوْلَهُ: (أَحَدٌ) فاعلُ يَرْكَنَ المجزومِ بلا الناهيةِ؟

(2) قَعْدَةُ رَجُلٍ - بكسرِ القافِ وسكونِ العينِ المهملةِ - أي: مِقْدَارُ قَعْدَتِهِ.

(3) بِيضًا - بكسرِ الباءِ الموحَّدَةِ - جمعُ بَيْضَاءَ، وهو حالٌ مِن مائةٌ، ولا يجوزُ أنْ يكونَ تمييزًا؛ إذ لو كانَ تَمْيِيزًا لَوَجَبَ أنْ يكونَ مُفْرَدًا لا جَمْعًا، وأنْ يكونَ مجرورًا لا منصوبًا؛ لأنَّ تمييزَ المائةِ يكونُ كذلك.

(4) اخْتَلَفَ النُّحَاةُ في مَجِيءِ الحالِ مِن النَّكِرَةِ إذا لم يَكُنْ للنكرةِ مُسَوِّغٌ مِن المسوِّغَاتِ التي سَبَقَ بَيَانُها في كلامِ الشارِحِ وفي زِيَادَاتِنَا عليه؛ فذَهَبَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ إلى أنَّ ذلك مَقِيسٌ، لا يُوقَفُ فيه على ما وَرَدَ به السماعُ، وذَهَبَ الخليلُ بنُ أَحْمَدَ ويُونُسُ بنُ حَبِيبٍ - وهما شَيْخَا سِيبَوَيْهِ - إلى أنَّ ذلك مِمَّا لا يجوزُ أنْ يُقاسَ عليه، وإنما يُحْفَظُ ما وَرَدَ منه، ووجهُ ما ذَهَبَ إليه سِيبَوَيْهِ أنَّ الحالَ إنما يُؤْتَى بها لِتَقْيِيدِ العامِلِ، فلا مَعْنَى لاشتراطِ المسوِّغِ في صاحبِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت