فهرس الكتاب
والحالُ قدْ يُحْذَفُ ما فِيهَا عَمِلْ ... وبَعْضُ ما يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِلْ [1]
يُحْذَفُ عاملُ الحالِ جوازًا أو وُجُوبًا، فمثالُ ما حُذِفَ جوازًا أنْ يقالَ: (كيفَ جِئْتَ؟) فتقولَ: (راكِبًا) ، تقديرُهُ: (جِئْتُ رَاكِبًا) ، وكقولِكَ: (بلى مُسْرِعًا) لِمَن قالَ لكَ: (لم تَسِرْ) ، والتقديرُ: (بلى سِرْتُ مُسْرِعًا) ، ومنه قولُه تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ* بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} ، التقديرُ واللهُ أعلَمُ: بلى نَجْمَعُها قادرينَ.
ومثالُ ما حُذِفَ وُجُوبًا قولُكَ: (زيدٌ أَخُوكَ عطوفًا) ، ونحوُه مِن الحالِ المؤكِّدَهِ لمضمونِ الجملةِ، وقد تَقَدَّمَ ذلك، وكالحالِ النائبةِ منابَ الخبرِ، نحوُ: (ضَرْبِي زَيْدًا قائمًا) ، التقديرُ: إذا كانَ قائمًا، وقد سَبَقَ تقريرُ ذلك في بابِ المبتدأِ والخبرِ [2] .
(1) (الحالُ) مبتدأٌ، (قد) حرفُ تَحْقِيقٍ، (يُحْذَفُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، (ما) اسمٌ موصولٌ نائبُ فاعلٍ لِيُحْذَفُ، والجملةُ مِن الفعلِ ونائبِ الفاعلِ في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، (فيها) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِعَمِلَ الآتي، (عَمِلْ) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى ما الموصولةِ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ، (وبَعْضُ) مبتدأٌ أوَّلُ، وبَعْضُ مُضافٌ و (ما) اسمٌ موصولٌ مُضافٌ إليه، (يُحْذَفُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى ما الموصولةِ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ، (ذِكْرُهُ) ذِكْرُ: مبتدأٌ ثانٍ، وذِكْرُ مُضافٌ والهاءُ مُضافٌ إليه، (حُظِلْ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى (ذِكْرُهُ) الواقِعِ مبتدأً ثانيًا، والجملةُ مِن حُظِلَ ونائبِ الفاعلِ في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثاني، وجملةُ المبتدأِ الثاني وخبرِهِ في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ.
(2) هنا أمرانِ نُحِبُّ أنْ نُنَبِّهُكَ إليهما:
الأوَّلُ: أنَّ عاملَ الحالِ على ثلاثةِ أنواعٍ: نَوْعٍ يَجِبُ ذِكْرُهُ ولا يجوزُ حَذْفُه، ونوعٍ يجِبُ حذفثه ولا يجوزُ ذِكْرُه، ونوعٍ يجوزُ لكَ ذِكْرُه ويجوزُ لك حذفُه.
فأمَّا النوعُ الذي يَجِبُ ذِكْرُه ولا يجوزُ حَذْفُه، فهو العاملُ المعنويُّ؛ كالظرفِ واسمِ الإشارةِ، فلا يُحْذَفُ شيءٌ مِن هذه العواملِ، سواءٌ =أَعَمِلَتْ أم لم =تَعْمَلْ؛ لأنَّ العاملَ المعنويَّ ضعيفٌ، فلا يَقْوَى على أنْ يَعْمَلَ وهو محذوفٌ.
وأمَّا النوعُ الذي يَجِبُ حَذْفُهُ فقد بَيَّنَ الشارحُ ثلاثةَ مواضِعَ من مَوَاضِعِه - وهي الحالُ المُؤَكِّدَةُ لمضمونِ جملةٍ، والحالُ النائبةُ منابَ الخبرِ، والحالُ الدالَّةُ على زيادةٍ أو نَقْصٍ بِتَدْرِيجٍ - وبَقِيَ موضعانِ آخرانِ: أَوَّلُهما: أنْ يَنُوبَ عنه الحالُ؛ كقَوْلِكَ لِمَن شَرِبَ: هَنِيئأً، ومِن ذلك قولُ كُثَيِّرٍ:
هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ ... لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ
وثانيهما: أنْ تَدُلَّ الحالُ على توبيخٍ؛ كقَوْلِكَ: أَقَاعِدًا وقد جَدَّ الناسُ؟
وأمَّا النوعُ الذي يجوزُ ذِكْرُهُ وحَذْفُهُ فهو ما عدا هذيْنِ النوعيْنِ.
الأمرُ الثاني: أنَّ الأصلَ في الحالِ نفسِه - بِسَبَبِ كونِه فَضْلَةً - أنه يجوزُ حَذْفُه، وقد يَجِبُ ذِكْرُهُ، وذلك في خمسةِ مَوَاضِعَ:
أَوَّلُها: أنْ يكونَ الحالُ مَقْصُورًا عليه، نحوُ قولِكَ: ما سَافَرْتُ إلاَّ راكبًا، وما ضَرَبْتُ عليًّا إلا مُذْنِبًا.
وثانيها: أنْ يكونَ الحالُ نائبًا عن عاملِهِ؛ كقَوْلِكَ: هَنِيئًا مَرِيئًا، تريدُ: كلُّ ذلك هَنِيئًا مَرِيئًا.
وثالثُها: أنْ تَتَوَقَّفَ عليه صِحَّةُ الكلامِ؛ كقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} ، أو يُتَوَقَّفُ عليه مرادُ المتكلِّمِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى} .
ورابعُها: أنْ يكونَ الحالُ جَوَابًا؛ كَقَوْلِكَ: بَلَى مُسْرِعًا، جَوَابًا لِمَن قالَ لكَ: لم تَسِرْ. وخَامِسُها: أنْ يكونَ الحالُ نائبًا عن الخبرِ، نحوُ قَوْلِكَ: ضَرْبِي زَيْدًا مُسِيئًاَ.