فهرس الكتاب
فإنْ كانَ العاملُ غيرَ مُتَصَرِّفٍ فقد مَنَعُوا التقديمَ [1] ، سواءٌ كانَ فِعْلًا، نحوُ: (ما أَحْسَنَ زيدًا رَجُلًا) ، أو غيرَه، نحوُ: (عندي عشرونَ دِرْهَمًا) .
وقد يكونُ العاملُ مُتَصَرِّفًا، ويَمْتَنِعُ تقديمُ التمييزِ عليه عندَ الجميعِ، وذلك نحوُ: (كَفَى بِزَيْدٍ رَجُلًا) ، فلا يَجُوزُ تقديمُ (رَجُلًا) على (كَفَى) ، وإنْ كانَ فِعْلًا مُتَصَرِّفًا؛ لأنَّه بمعنى فِعْلٍ غيرِ متصرِّفٍ، وهو فعلُ التعجُّبِ، فمعنى قولِكَ: (كفى بزيدٍ رَجُلًا) : ما أَكْفَاهُ رَجُلًا [2] .@#@]
حُروفُ الْجَرِّ
هاكَ حروفَ الجَرِّ وَهْيَ مِن إِلَى حتَّى خَلاَ حاشَا عَدَا في عنْ عَلَى
مُذْ مُنذُ رُبَّ اللامُ كَيْ واوٌ وَتَا والكافُ والباءُ ولعَلَّ ومَتَى [3]
(1) ورُبَّمَا تَقَدَّمَ على عاملِه وهو جامدٌ، وذلك ضرورةٌ مِن ضروريَّاتِ الشعْرِ اتِّفاقًا؛ كقولِ الراجِزِ:
ونَارُنَا لم يُرَ نَارًا مِثْلُهَا ... قَدْ عَلِمَتْ ذَاكَ مَعَدٌّ كُلُّهَا
(2) من القواعدِ المقرَّرةِ أنَّ الشيءَ إذا أَشْبَهَ الشيءَ أَخَذَ حُكْمَه، ويَجْرِي ذلك في كثيرٍ من الأبوابِ، ونحنُ نَذْكُرُ لكَ ههنا بعضَ هذه المتشابِهَاتِ لتعرِفَ كيفَ كانَ العربُ يُجْرُونَ في كلامِهم، ثمَّ لِتَعْرِفَ كيفَ ضَبَطَ أئمَّةُ هذه الصناعةِ قَوَاعِدَها، ثمَّ لِتَعُودَ بذاكرَتِكَ إلى ما سَبَقَ لكَ أنْ قَرَأْتَهُ في هذا الكتابِ وغيرِهِ من كُتُبِ الفنِّ لجمعِ أشبهِ ما نَذْكُرُه لكَ.
(أ) المشتقَّاتُ كلُّها - من اسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ وأمثلةِ المبالغةِ - أَشْبَهَتِ الفعلَ في مادَّتِهِ ومعناه، فأَخَذَتْ حُكْمَه، فرَفَعَتِ الفاعلَ، ونَصَبَ المتعدِّي منها المفعولَ.
(ب) ما، ولا، وإنْ، ولاتَ، هذه الحروفُ أَشْبَهَتْ ليسَ في المعنى، فأَخَذَتْ حُكْمَها، فرَفَعَتْ الاِسمَ ونَصَبَتِ الخبرَ.
(ج) إنَّ وأَخَوَاتِها، أَشْبَهَتِ الفعلَ في معناه، فرَفَعَتْ ونَصَبَتْ، وقُدِّمَ منصوبُها وُجُوبًا على مَرْفُوعِها، بعكسِ الفعلِ؛ لِيَظْهَرَ من أوَّلِ وَهْلَةٍ أنها عَمِلَتْ هذا العملَ لِكَوْنِها فَرعًا، وجازَ أنْ تَنْصِبَ الحالَ لهذه المشابهةِ.
(د) تَشَابَهَتْ (إلاَّ) و (غيرٌ) فأَخَذَتْ كلُّ واحدةٍ مِنهما حكمَ الأخرى، فوَقَعَتْ (غيرٌ) أداةَ استثناءٍ كإلاَّ، ووَقَعَتْ (إلاَّ) صفةً كغَيْرٍ.
(هـ) تَشَابَهَتْ (عَسَى) و (لَعَلَّ) ، فجاءَ خبرُ عَسَى شذوذًا مفردًا كخبرِ لَعَلَّ، في نحوِ: (عَسَى الغُوَيْرُ أَبُؤْسًا) ، وجاءَ خبرُ لعلَّ مضارعًا مُقْتَرِنًا بأنْ في نحوِ: (لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ) .
(و) أَشْبَهَ الاسمُ الموصولُ أسماءَ الشرطِ، فجازَ أنْ تَدْخُلَ الفاءُ في خبرِ الاسمِ الموصولِ في نحوِ: (مَن يَزُورُنِي فإني أُكْرِمُهُ) كما تَدْخُلُ في جوابِ الشرطِ.
(3) (هَاكَ) ها: اسمُ فعْلِ أمْرٍ، وفاعِلُه ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، والكافُ حَرْفُ خِطَابٍ، (حُروفَ) مفعولٌ به لاسمِ الفعْلِ، وحروفَ الجر مُضافٌ و (الْجَرِّ) مُضافٌ إليه، (وَهْيَ) مُبتَدَأٌ، (مِن) قَصَدَ لفْظَه: خَبرُ الْمُبْتَدَأِ، (إلى حتى خلا ... إلخ البَتيتينِ) مَعطوفاتٌ على (مِن) بإسقاطِ حرْفِ العطْفِ في بعضِها، وإثباتِه في بعْضِها الآخَرِ.