الصفحة 458 من 811

هذه الحروفُ العِشرونَ كلُّها مُخْتَصَّةٌ بالأسماءِ، وهي تَعْمَلُ فيها الْجَرَّ، وتَقَدَّمَ الكلامُ على"خَلاَ وحَاشَا وعَدَا"في الاستثناءِ، وقَلَّ مَن ذَكَرَ"كي ولعلَّ ومتَى"في حروفِ الْجَرِّ، فأَمَّا"كي"فتكونُ حَرْفَ جَرٍّ في مَوْضِعَيْنِ [1] :

أحَدُهما: إذا دَخَلَتْ على"ما"الاستفهاميَّةِ، نَحوُ:"كَيْمَهْ"؛ أيْ: لِمَهْ، فـ"ما"استفهاميَّةٌ مَجرورةٌ (1) بـ"كيْ"، وحُذِفَتْ ألِفُها لدُخولِ حرْفِ الْجَرِّ عليها، وجِيءَ بالهاءِ للسَّكْتِ.

الثاني قولُكَ:"جئتُ كيْ أُكْرِمَ زَيدًا". فـ"أُكْرِمَ"فعْلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بـ"أنْ"بعْدَ"كَيْ" [2] و"أنْ"والفعْلُ مُقَدَّرانِ بِمَصْدَرٍ مَجرورٍ بـ"كيْ"، والتقديرُ: جِئتُ كيْ إِكْرَامِ زَيدٍ؛ أيْ: لإكرامِ زَيدٍ.

وأمَّا"لعَلَّ"فالْجَرُّ بها لُغةُ عُقَيْلٍ، ومنه قولُه:

196 -... لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ مِنكَ قَريبُ [3]

(1) ولكى ولكي الْجَارَّةِ مَوْضِعٌ ثالِثٌ تَقَعُ فيه، وهو أنْ يكونَ مَدْخُولُها ("مَا) "الْمَصدرِيَّةَ؛ كما في قَولِ الشاعِرِ:

إذَا أَنتَ لم تَنْفَعْ فَضُرَّ فإِنَّمَا ... يُرادُ الفَتَى كَيْمَا يَضُرُّ ويَنْفَعُ

أيْ: للضَّرِّ والنفْعِ. وتَقديرُه على نحوِ ما قالَ الشارِحُ في الْمَوْضِعِ الثانِي.

(2) اعلَمْ أنَّه قد يُؤْتَى بلامٍ قَبْلَ كَيْ، فيُقالُ: ("جئتُ لِكَلىيْ أَتَعَلَّمَ) "، وقد يُؤتَى بأنِ الْمَصْدَريَّةِ بعدَ كَيْ، فيُقالُ: ("جئتُ كى كَيْ أنْ تكرمنىتُكرِمَنِي) "، وعلى الوجهِ الأوَّلِ تَكونُ كى كي مَصدريَّةً بلا تَرَدُّدٍ، وهو الأكثَرُ استعمالًا، وعلى الوجهِ الثاني تَكونُ كى كَي حرْفَ جَرٍّ دَالاًّ على التعليلِ بلا تَرَدُّدٍ، وهو اقل أَقَلُّ استعمالًا مِن سابِقِه، وقد يُؤتَى بكى بكَيْ غيرَ مَسبوقةٍ باللامِ ولا سابِقَةٍ لأنْ، كما يُقالُ: ("جِئتُ كى كَيْ أَتعلَّمَ) "، وهي حِينَئذٍ تَحتَمِلُ الْمَصدَرِيَّةَ بتَقديرِ اللامِ قَبْلَها، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكونَ حرْفَ جَرٍّ دالاًّ على التعليلِ، وأنِ الْمَصدريَّةُ مُقَدَّرَةً بعدَها، وحَمْلُها على الوجهِ الأوَّلِ أَوْلَى؛ لأنه الأكثَرُ في الاستعمالِ كما قُلْنَا.

ومِن هنا تَعْلَمُ أنَّ ما جَرَى عليه الشارِحُ فيه حَمْلُ الكلامِ على اقل أقَلِّ الوَجهينِ.

(3) 196 - هذا عَجُزُ بيتٍ لكعْبِ بنِ سعْدٍ الغنوىلغَنَوِيِّ، مِن قَصيدةٍ مُسْتَجَادَةٍ يرثى يَرْثِي فيها أَخاهُ أبا الْمِغوارِ، واسْمُه هَرِمٌ، وقيلَ: اسمُ أبي الْمِغوارِ شَبِيبٌ. وصَدْرُ البيتِ قولُه:

فقلتُ: ادْعُ أُخْرَى وارْفَعِ الصوتَ جَهْرَةً

ومِن العُلماءِ مَن بنسب يَنسُبُ هذه القَصيدةَ لسَهْمٍ الغنوى الغَنَوِيِّ، أخى أخي كعْبٍ وأبى وأبي الْمِغْوَارِ جَميعًا، والصوابُ عندَ الأَثْبَاتِ مِن الرُّواةِ ما قَدَّمْنَاهُ، وقَبلَ هذا البيتِ قولُه:

وداعٍ دَعَا: يا مَن يُجيبُ إلى النَّدَى ... فلم يَسْتَجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجيبُ

الإعرابُ: (( فقُلتُ ) )فِعْلٌ وفاعِلٌ، (( ادْعُ ) )فعْلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، (أُخرَى) مفعولٌ به، وهى وهي صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ مَوْصُوفِها بعْدَ حَذْفِه، واصل وأَصْلُ الكلامِ: ادْعُ مَرَّةً أُخرَى، (وارْفَعِ) الواوُ عاطِفَةٌ، وارفَعْ: فعْلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا، تَقديرُه أنتَ، (الصوتَ) مَفعولٌ به لارْفَعْ، (جَهْرَةً) مَفعولٌ مُطلَقٌ، (لَعَلَّ) حرْفُ تَرَجٍّ وجَرٍّ شَبيهٌ بالزائِدِ، (أَبِي) مُبتَدَأٌ مَرفوعٌ تَقديرًا، وأبى وأبي مُضافٌ و (والْمِغْوَارِ) مُضافٌ إليه، (مِنْكَ) جَارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقَريبُ الآتى الآتِي، (قَريبُ) خبَرُا الْمُبْتَدَأِ. الشاهِدُ فيه: قولُه: (لَعَلَّ أَبِي ... إلخْ) حيثُ جُرَّ بـ (لَعَلَّ) لفْظُ أبي على لُغَةِ عُقَيْلٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت