الصفحة 459 من 811

وقولُه:

197 -لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا ... بشَيءٍ أنَّ أُمَّكُمُ شَرِيمُ [1]

فـ"أَبِي الْمِغْوَارِ"والاسمُ الكريمُ مُبْتَدَآنِ، و"قَريبُ"و"فَضَّلَكم"خَبرانِ، ولعَلَّ حرْفُ جَرٍّ زائدٌ [2] دخَلَ على الْمُبْتَدَأِ، فهو كالباءِ في"بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ".

وقد رُوِيَ على لُغةِ هَؤلاءِ في لامِها الأخيرةِ الكسْرُ والفتْحُ، ورُوِيَ أيضًا حذْفُ اللامِ الأُولَى، فتَقولُ:"عَلَّ"بفتْحِ اللامِ وكسْرِها.

وأَمَّا"متَى"فالْجَرُّ بها لُغةُ هُذَيْلٍ، ومِن كَلامِهم:"أَخْرَجَهَا مَتَى كُمِّهِ". يُريدونَ:"مِن كُمِّهِ"، وِمنه قولُه:

198 -شَرِبْنَ بماءِ البحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... متَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ [3]

(1) 197 - هذا البيتُ مِن الشَّواهِدِ التي لم نَقِفْ على نِسْبَتِها لقَائلٍ مُعَيَّنٍ.

اللُّغَةُ: (أنَّ أَمَّكُمُ) يَجوزُ في هَمْزَةِ (أنَّ) الفتْحُ والكسْرُ، أمَّا الفتْحُ فعَلَى أَنَّها معَ ما بَعْدَها في تَأويلِ مَصدَرٍ بَدَلٍ مِن شَيْءٍ، وأمَّا الكسْرُ فعَلَى الابتداءِ، (شَرِيمُ) هي المرأةُ الْمُفْضَاةُ التي اتَّحَدَ مَسْلَكَاهَا، ويُقالُ فيها: شَرْمَاءُ، وشَرومٌ أَيْضًا.

الإعرابُ: (لعَلَّ) حرْفُ تَرَجٍّ وجَرٍّ، شَبيهٌ بالزائدِ، (اللهِ) المُبتَدَأٌ، وهو في اللفْظِ مَجرورٌ بلَعَلَّ، (فَضَّلَكُمْ) فضَّلَ: فعْلٌ ماضٍ، والفاعِلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوازًا، تَقديرُه هو، يَعودُ إلى اللهِ، والكافُ مَفعولٌ به، والميمُ عَلاَمَةُ الجمْعِ، والجمْلَةُ مِن فَضَّلَ وفَاعِلِه ومَفعولِه في مَحَلِّ رفْعٍ خَبَرُ الْمُبتدَأِ، (عَلَيْنَا، بشيءٍ) جارَّانِ ومَجرورانِ يَتَعَلَّقانِ بفَضَّلَ، (أنَّ) حرْفُ تَوكيدٍ ونَصْبٍ، (أُمَّكُمُ) أُمَّ: اسْمُ انأَنَّ، وام وأُمَّ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه، (شَرِيمُ) خبَرُ أنَّ، وأنَّ واسْمُها وخَبَرُها في تأويلِ مَصْدَرٍ بدَلٍ مِن شيءٍ، على تَقديرِ فَتْحِ هَمْزِ (أنَّ) ، وأَمَّا على كسْرِ الهمزةِ فأنَّ واسْمُها وخَبَرُها جُملةٌ يُقصَدُ بها التعليلُ.

الشاهِدُ فيه: قولُه: (لَعَلَّ اللهِ) حيثُ جُرَّ بلَعَلَّ ما بعدَها لَفْظًا على لُغةِ عُقَيْلٍ، كما في البيتِ السابِقِ، وهو مَرفوعٌ في التَّقديرِ، ولم يَمنَعْ مِن ظُهورِ رَفْعِه إلاَّ الحرَكَةُ التي اقْتَضَاهَا حرْفُ الْجَرِّ الشبيهُ بالزائدِ.

(2) الصوابُ أنْ يَقولَ: ("حرْفُ جَرٍّ شَبيهٌ بالزائدِ) "، وأمَّا الباءُ في قولِهم: ("بحَسْبِكَ دِرْهَمٌ) "فهي حرْفٌ زائدٌ، فليسَ التَّشبيهُ في كَلامِ الشارِحِ دَقيقًا.

واعلَمْ أنَّ حرْفَ الْجَرِّ إِمَّا أنْ يُفيدَ مَعْنًى خاصًّا، ويَكونَ له مُتَعَلِّقٌ، وأما وإمَّا إلا ألاَّ يُفيدَ معنًى خاصًّا ولا يكونَ له مُتَعَلِّقٌ، وأما وإمَّا أنْ يُفيدَ مَعنًى خاصًّا ولا يَكونَ له مُتَعَلِّقٌ، فالأوَّلُ الحرْفُ الأصلى الأَصْلِيُّ الذي يَعقِدُ له النُّحاةُ بابَ حُروفِ الْجَرِّ، والثاني هو الحرْفُ الزائدُ؛ كالبَاءِ في ("بحَسْبِكَ دِرْهَمٌ) "، و ("مِن) "في قولِك: ("ما زارنى زَارَنِي مِن أحَدٍ) "، والثالثُ هو الشبيهُ بالزائدِ، وإنما أَشْبَهَ الزائدَ في أنَّه لا مُتَعَلِّقَ له، وأَشْبَهَ الأَصْلِيَّ في الدَّلالةِ على معنًى خاصٍّ؛ كالتَّرَجِّي في ("لَعَلَّ) "، والتقليلِ في ("رُبَّ) .".

(3) 198 - البيتُ لأبِي ذُؤَيْبٍ الهذلىلْهُذَلِيِّ، يَصِفُ السَّحَابَ، وقَبْلَه قَولُه:

سَقَى أُمَّ عمرٍو كلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ ... حَنَاتِمُ سُودٌ ماؤُهُنَّ ثَجِيجُ

إذا هَمَّ بالإقلاعِ هَبَّتْ له الصَّبَا ... فأَعْقَبَ نَشْءٌ بعدَها وخُروجُ

اللُّغَةُ: (حَنَاتِمُ) جَمْعُ جنتمةحَنْتَمَةٍ، وأَصْلُها الْجَرَّةُ الْخَضْرَاءُ، وأَرادَ هنا السَّحَائِبَ، شَبَّهَها بالْجِرَارِ. (سُودٌ) جَمْعُ سَوداءَ، وأَرادَ أَنَّها مُمْتَلِئَةٌ بالماءِ، (ثَجِيجُ) سائلٌ مُنْصَبٌّ، (تَرَفَّعَتْ) تَصاعَدَتْ وتَبَاعَدَتْ، (لُجَجٍ) جَمْعُ لُجَّةٍ - بزِنَةِ غُرْفَةٍ وغُرَفٍ - واللُّجَّةُ: مُعظَمُ الماءِ، (نَئِيجُ) هو الصوتُ العالي المرْتَفِعُ.

المعنى: يَدعُو لامْرَأَةٍ - وهي التي ذَكَرَها فيما قَبْلَ بيتِ الشاهِدِ باسمِ أُمِّ عمرٍو - بالسُّقْيَا بماءِ سُحُبٍ مَوصوفَةٍ بأنَّها شَرِبَتْ مِن ماءِ البحْرِ، وأَخَذَتْ مَاءَها مِن لُجَجٍ خُضْرٍ، ولها في تلك الحالِ صَوْتٌ مُرتَفِعٌ عالٍ.

الإعرابُ: (شَرِبْنَ) فعْلٌ وفاعِلٌ، ونونُ النِّسوَةِ تَعودُ إلى حَنَاتِمُ، (بِمَاءِ) جَارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بشَرِبَ، ومَاءِ مُضَافٌ و (البَحْرِ) مُضافٌ إليه، (ثُمَّ) حَرْفُ عطْفٍ، (تَرَفَّعَتْ) تَرَفَّعَ: فعْلٌ مَاضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوازًا تَقديرُه هي، يَعودُ إلى حَنَاتِمُ أَيْضًا، (متَى) حرْفُ جَرٍّ بمعنى مِن، (لُجَجٍ) مَجرورٌ بِمَتَى، والجارُّ والمجرورُ متَعَلِّقٌ بتَرَفَّعَ، وقيلَ: بَدَلٌ مِن الجارِّ والمجرورِ الأوَّلِ، وهو (بماءِ البحْرِ) . (خُضْرٍ) صِفَةٌ لِلُجَجٍ، (لَهُنَّ) جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبَرٌ مُقَدَّمٌ، (نَئِيجُ) مُبتدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والْجُملةُ مِن الْمُبتَدَأِ وخَبَرِه في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لـ (لُجَجٍ) .

الشاهِدُ فيه: قولُه: (مَتَى لُجَجٍ) حَيْثُ استَعْمَلَ (متى) جارَّةً، كما هو لُغَةُ قَوْمِه هُذَيْلٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت