فهرس الكتاب
وقد يُجَرُّ بسِوَى رُبَّ لَدَى حَذْفٍ وبعْضُهُ يُرَى مُطَّرِدَا [1]
الْجَرُّ بغَيْرِ"رُبَّ"مَحذوفًا على قِسمينِ: مُطَّرِدٍ وغَيْرِ مُطَّرِدٍ.
فغَيْرُ الْمُطَّرِدِ كقَولِ رُؤبةَ لِمَن قالَ له:"كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟""خَيْرٍ وَالحمْدُ للهِ"، التقديرُ: على خَيْرٍ. وقولِ الشاعِرِ:
221 -إذا قِيلَ: أيُّ الناسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ أشارَتْ كُلَيْبٍ بالأَكُفِّ الأَصَابِعُ [2]
أيْ: أَشارَتْ إلى كُلَيْبٍ. وقولِه:
222 -وكَريمةٍ مِن آلِ قَيْسَ أَلَفْتُهُ ... حَتَّى تَبَذَّخَ فارْتَقَى الأَعْلاَمِ [3]
(1) (وقَدْ) حرْفُ تَقليلٍ، (يُجَرُّ) فعْلٌ مضارِعٌ مبنى مَبْنِيٌّ للمَجهولِ، (بِسِوَى) جارٌّ ومَجرورٌ واقِعٌ مَوقِعَ نائبِ الفاعلِ ليُجَرُّ، وسِوَى مُضافٌ و (رُبَّ) قَصَدَ لفْظَه: مُضافٌ إليه، (لَدَى) ظرْفٌ بمعنى عنْدَ مُتَعَلِّقٌ بيُجَرُّ، ولَدَى مُضافٌ و (حَذْفٍ) مضافٌ إليه، (وبعضُهُ) بعضُ مُبتَدَأٌ، والهاءُ مُضافٌ إليه، (يُرَى) فعْلٌ مضارِعٌ مبنى مَبنِيٌّ للمَجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا، وهو الْمَفعولُ الأوَّلُ، (مُطَّرِدَا) مَفعولٌ ثانٍ ليُرَى، والجملَةُ مِن الفعْلِ المبنى الْمَبْنِيِّ للمجهولِ ونائبِ فاعلِه ومَفعولَيْهِ في مَحَلِّ رفْعٍ خَبَرُ المبتَدَأِ.
(2) 221 - البيتُ مِن قَصيدةٍ للفَرَزْدَقِ يَهْجُو فيه جَريرًا.
اللُّغَةُ: (قَبِيلةٍ) واحدةُ قَبائلِ العرَبِ، (كُليبٍ) - بزِنَةِ التَّصغيرِ - أبو قَبيلةِ جَريرٍ، والباءُ في قَوْلِه: (بالأَكُفِّ) للمُصاحَبَةِ بمعنى (معَ) ؛ أي: أشارَتِ الأصابِعُ معَ الأَكُفِّ، أو الباءُ على أصْلِها والكلامُ على القَلْبِ، وكأنَّه أَرادَ أنْ يَقولَ: أشارَتِ الأَكُفُّ بالأصابِعِ، فقَلَبَ.
المعنى: إنَّ لُؤْمَ كُلَيْبٍ وارْتِكَاسَها في الشرِّ أمْرٌ مَشهورٌ لا يَحتاجُ إلى التَّنبيهِ إليه؛ فإنَّه لو سَأَلَ سائلٌ عن شَرِّ قَبيلَةٍ في الوُجودِ لبَادَرَ الناسُ إلى الإشارَةِ إلى كُلَيْبٍ.
الإعرابُ: (إذا) ظرْفٌ للمُسْتَقْبَلِ مِن الزمانِ تَضَمَّنَ معنَى الشرْطِ، (قِيلَ) فعْلٌ ماضٍ مبنى مَبْنِيٌّ للمَجهولِ، (أيُّ) اسمُ استفهامٍ مُبتَدَأٌ، واى وأيُّ: مُضافٌ و (الناسِ) مُضافٌ إليه، (شَرُّ) أَفْعَلُ تَفضيلٍ، حُذِفَتْ هَمزتُه تَخفيفًا لكَثرَةِ الاستعمالِ، وهو خَبَرُ المبتَدَأِ، وشَرُّ مُضافٌ و (قَبيلَةٍ) مُضافٌ إليه، والجملَةُ مِن المبتَدَأِ وخبَرِه نَائِبُ فاعِلِ قِيلَ، (أَشَارَتْ) أَشارَ: فعْلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، (كُلَيْبٍ) مَجرورٌ بحرْفِ جَرٍّ محذوفٍ، والتقديرُ: إلى كُلَيْبٍ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بأشارَتْ، (بالأَكُفِّ) جارٌّ ومَجرورٌ متعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن الأصابِعِ تَقَدَّمَ عليه، (الأَصابِعُ) فاعِلُ أَشَارَتْ.
الشاهِدُ فيه: قولُه (اشارت أشارَتْ كُلَيْبٍ) ؛ حيثُ جَرَّ قولَه: (كُليبٍ) بحَرْفِ جَرٍّ محذوفٍ، كما بَيَّنَّاهُ في الإعرابِ، والجَرُّ بالحرْفِ المحذوفِ - غيرَ ما سبَقَ ذِكْرُه - شاذٌّ.
(3) 222 - هذا البيتُ مِن الشواهِدِ التي لا يُعْلَمُ قائِلُها.
اللُّغَةُ: (كَريمةٍ) صِفَةٌ لِمَوصوفٍ مَحذوفٍ؛ أيْ: رَجُلٍ كَريمةٍ، والتاءُ فيه للمبالَغَةِ، لا للتأنيثِ؛ بدَليلِ تَذكيرِ الضميرِ في قولِه: (أَلَفْتُهُ) ، ولا يُقالُ: إنه استَعْمَلَ صِيغَةَ فَعِيلَةٍ في المبالَغَةِ وليسَتْ مِن صِيَغِها؛ لانا لأنَّا نَقولُ: الصِّيَغُ الْمَشهورةُ هى هي الصِّيَغُ القِياسيَّةُ، أمَّا السماعِيُّ فلا حَصْرَ له، (أَلَفْتُهُ) بفتْحِ اللامِ، مِن بابِ ضَرَبَ؛ أي: أَعْطَيْتُهُ أَلْفًا، أو بكسْرِ اللامِ مِن بابِ عَلِمَ؛ أيْ: صِرْتُ أَلِيفَه، (تَبَذَّخَ) تَكَبَّرَ وعَلاَ، (الأعلامِ) جمْعُ عَلَمٍ، وهو - بفتْحِ العَيْنِ واللامِ جَميعًا - الجبَلُ.
الإعرابُ: (وكَريمةٍ) الواوُ واوُ رُبَّ، (كَريمةٍ) مُبتدَأٌ مَرفوعٌ بضمه بضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ على آخِرِه، منَعَ مِن ظُهورِها اشتغالُ الْمَحَلِّ بحرَكَةِ حرْفِ الْجَرِّ الشَّبيهِ بالزائدِ، (مِن آلِ) جارٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ نَعْتٌ لكَريمةٍ، وآلِ مُضافٌ و (قَيْسَ) مُضافٌ إليه مَجرورٌ بالفَتحةِ؛ لأنه اسمٌ لا يَنصرِفُ؛ للعَلَمِيَّةِ والتأنيثِ المعنوى الْمَعنويِّ؛ لأنه اسمٌ للقَبيلةِ، (أَلَفْتُهُ) فعْلٌ وفاعِلٌ ومفعولٌ به، والجملَةُ في مَحَلِّ رفْعٍ خَبَرُ المبتَدَأِ، (حتَّى) ابتدائيَّةٌ، (تَبَذَّخَ) فعْلٌ ماضٍ، والفاعِلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جوازًا تَقديرُه هو يَعودُ على كَريمةٍ، (فارْتَقَى) الفاءُ عاطِفَةٌ، ارْتَقَى: فعْلٌ ماضٍ، وفيه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فاعِلٌ، والجملَةُ مَعطوفةٌ على جُملةِ (تبدختَبَذَّخَ) السابقَةِ، (الأعلامِ) مَجرورٌ بحرْفِ جَرٍّ محذوفٍ؛ أيْ: إلى الأعلامِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (ارْتَقَى) .
الشاهِدُ فيه: في هذا البَيْتِ عِدَّةُ شَواهِدَ للنُّحاةِ: أوَّلُها وثانِيهَا في قولِه: (كَريمةٍ) ؛ حيثُ جَرَّ هذه الكلِمَةَ برُبَّ مَحذوفةٍ بعْدَ الواوِ، وحيثُ أَلْحَقَ التاءَ الدالَّةَ على المبالَغَةِ لصِيغَةِ فَعيلٍ، وهذا نادِرٌ، والكثيرُ أنْ تَلحَقَ صِيغةَ فَعَّالٍ؛ كعَلاَّمَةٍ ونَسَّابَةٍ، أو صِيغَةَ مِفْعَالٍ: كمِهْذَارَةٍ، أو صِيغَةَ فَعُولٍ: كفَرُوقَةٍ.
وثالثُها،: وهو الْمُرادُ هنا، قولُه: (فارْتَقَى الأعلامِ) حيثُ جَرَّ قولَه: (الأعلامِ) بحَرْفِ جَرٍّ مَحذوفٍ، كما بَيَّنَّاهُ في الإعرابِ، وذلك شاذٌّ.
ورابعُها: في قولِه: (قَيْسَ) ؛ حيثُ مَنَعَه مِن الصرْفِ وَجَرَّه بالفتْحَةِ نِيَابَةً عن الكَسْرَةِ، فإنْ أَرَدْتَ به اسمَ القَبيلةِ فهو مَمنوعٌ مِن الصرْفِ؛ قِياسًا للعَملَمِيَّةِ والتأنيثِ المعنوىلْمَعنَوِيِّ، وإنْ أرَدْتَ به علَمَ مذَكَّرٍ؛ كأبي القَبيلةِ، كانَ مَنْعُه مِن الصرْفِ شاذًّا، وهو - معَ شُذوذِه - مِمَّا له نَظائِرُ في شِعْرِ العرَبِ، ومِن نَظَائِرِه قَوْلُ الأَخْطَلِ:
طَلَبَ الأَرزَارِقَ بالكتائِبِ إذْا هَوَتْ ... بِشَبِيبَ غائِلَةُ النُّفوسِ غَرُورُ
فقَدْ مَنَعَ (شَبِيبَ) مِن الصرْفِ، وليسَ فيه عِلَّتَانِ، ومِثلُه قولُ الآخَرِ:
قالَتْ أُمَيْمَةُ: مَا لثَابِتَ شاخِصًا ... عارى عارِي الأَشَاجِعِ نَاحِلًا كالْمُنْصُلِ