فهرس الكتاب
يُصاغُ للكَثرَةِ فَعَّالٌ ومِفعالٌ وفَعولٌ وفَعيلٌ وفَعِلٌ، فيَعمَلُ عمَلَ الفِعْلِ على حَدِّ اسمِ الفاعِلِ، وإعمالُ الثلاثةِ الأُوَلُ أكْثَرُ مِن إِعمالِ فَعِيلٍ وفَعِلٍ، وإعمالُ فَعِيلٍ أكثَرُ مِن إِعمالِ فَعِلٍ.
فمِن إِعمالِ فَعَّالٍ ما سَمِعَه سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ بعضِهم:"أمَّا العَسَلَ فأَنَا شَرَّابٌ" [1] ، وقولُ الشاعِرِ:
258 -أَخَا الحرْبِ لَبَّاسًا إِلَيْهَا جِلاَلَهَا ولَيْسَ بوَلاَّجِ الخوالِفِ أَعْقَلاَ [2]
فـ"العَسَلَ"مَنصوبٌ بـ"شَرَّابٍ"، و"جِلاَلَها"مَنصوبٌ بـ"لَبَّاسٍ".
ومِن إعمالِ مِفْعَالٍ قولُ بعضِ العرَبِ:"إنه لَمِنْحَارٌ بَوَائِكَها"، فـ"بَوَائِكَها"مَنصوبٌ بـ"مِنْحَارٌ".
ومِن إعمالِ فَعُولٍ قَولُ الشاعِرِ:
259 -عَشِيَّةَ سُعْدَى لو تَرَاءَتْ لرَاهِبٍ ... بِدُومَةَ تَجْرٌ دُونَهُ وحَجِيجُ
قَلَى دِينَهُ واهْتَاجَ لِلشَّوْقِ إنَّها ... على الشَّوْقِ إِخوانَ العَزَاءِ هَيُوجُ [3]
(1) ذكَرَ هذا الْمِثالَ وأَسْنَدَ رِوايتَه عن العرَبِ إلى سِيبَوَيْهِ الثِّقَةِ؛ للإشارَةِ إلى رَدِّ مَذهَبِ الكُوفِيِّينَ، الذينَ ذَهَبُوا إلى أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَتقدَّمَ مَعمولُ هذه الصِّفَةِ عليها، وسياتي وسيَأتي ذكْرُ ذلك في شرْحِ الشاهِدِ رَقْمِ 259، وانظُرْ كتابَ سِيبَوَيْهِ (1/ 57) .
(2) 258 - البيتُ للقُلاَخِ - بقافٍ مَضمومَةٍ، وفي آخِرِه خَاءٌ مُعجَمَةٌ - بنِ حَزْنِ بنِ جَنَابٍ، وهو مِن شَواهِدِ الأَشمونِيِّ (688) ، وابنِ هِشامٍ في أوضَحِ الْمَسالِكِ (372) .
اللُّغَةُ: (إليها) إلى بِمَعنَى اللامِ؛ أيْ: لها، (جِلاَلَها) بكسْرِ الجيمِ: جَمْعُ جُلٍّ، وأَرادَ به ما يُلْبَسُ في الحرْبِ مِن الدِّرْعِ ونَحْوِها، (وَلاَّجِ) كثيرِ الوُلوجِ، وهو الدُّخولُ، (الخوالِفِ) جَمْعُ خَالِفَةٍ، وهو - في الأصْلِ - عَمودُ الْخِباءِ، ولكنَّه أَرادَ به هنا نفْسَ الْخَيْمَةِ، (أَعْقَلاَء) مأخوذٌ مِن العَقْلِ، وهو الْتِوَاءُ الرِّجْلِ مِن الفرعالفَزَعِ، أو اصْطِكاكُ الرُّكْبَتَيْنِ، يُريدُ أنَّه قَوِيُّ النفْسِ ثابتٌ مُقَدَّمٌ عندَما يَجِدُّ الْجِدُّ، ووَقْتَ حُدوثِ الذُّعْرِ.
المعنى: يَقولُ: إنَّكَ لا ترانى تَرانِي إلاَّ مُواخِيًا للحرْبِ كثيرًا لُبْسَ الدُّروعِ؛ لكَثرةِ ما أَقتَحِمُ نِيرانَ الحرْبِ، وإذا حَضَرَتِ الحرْبُ واشتَدَّ أُوَارُاها، فلَسْتُ أَلِجُ الأَخْبِيَةَ هَرَبًا مِن الفُرسانِ، وخَوْفًا مِن وُلوجِ الْمَآزِقِ. يصِفُ نفْسَه بالشجاعَةِ ومُلازَمَةِ الحرْبِ.
الإعرابُ: (أَخَا) حالٌ مِن ضَميرٍ مُستَتِرٍ في قَوْلِه: (بأَرْفَعِ) في بيتٍ سابِقٍ، وهو قولُه:
فإنْ تَكُ فاتَتْكَ السماءُ فإننىفَإِنَّنِي ... بأرفَعِ ما حولى حَوْلِي مِنَ الأرْضِ أَطْوَلاَ
وأَخَا: مُضافٌ، و (الحرْبِ) مُضافٌ إليه، (لَبَّاسًا) حالٌ أُخْرَى، أو صِفَةٌ لأَخَا الحرْبِ، (إليها) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بلَبَّاسٍ، (جِلاَلَها) جِلاَلَ: مَفعولٌ به لقَولِه: (لَبَّاسًا) ، وجِلاَلَ مُضافٌ وها ضَميرُ الحرْبِ مُضافٌ إليه، (وليسَ) فعْلٌ ماضٍ ناقصٌ، واسْمُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه، (بوَلاَّجِ) الباءُ زائدةٌ، وَلاَّجِ: خَبَرُ ليسَ، ووَلاَّجِ مضافٌ و (الخوالِفِ) مُضافٌ إليه، (أَعْقَلاَ) خبَرٌ ثانٍ لليسَ.
الشاهِدُ فيه: (لَبَّاسًا جِلاَلَها) ؛ فإنَّه قد أَعْمَلَ (لَبَّاسًا) - وهو صِيغَةٌ مِن صِيَغِ الْمُبالَغَةِ - إعمالَ الفعْلِ، فنَصَبَ به المفعولَ، وهو قولُه: (جِلاَلَها) ؛ لاعتمادِه على مَوصوفٍ مَذكورٍ في الكلامِ، وهو قولُه: (أَخَا الْحَرْبِ) .
(3) 259 - البَيتانِ للرَّاعِي، وهما مِن شَوَاهِدِ الأشمونى الأَشمونِيِّ (رَقْم 701) وثانِيهِما مِن شَواهِدِ سِيبَوَيْهِ (1 - 56) .
اللغةُ: (تَرَاءَتْ) ظَهَرَتْ وبَدَتْ، (لرَاهِبٍ) الراهِبُ: عابِدُ النَّصَارَى، (دُومَةَ) حِصْنٌ واقِعٌ بينَ الْمَدينَةِ الْمُنَوَّرَةِ والشامِ، ويُسمَّى دُومَةَ الْجَنْدَلِ، (تَجْرٌ) اسمُ جَمْعٍ لتاجِرٍ، مِثلُ شَرْبٍ وصَحْبٍ وسَفْرٍ، (حَجيجُ) اسمُ جَمْعٍ لحاجٍّ، (قَلَى) كَرِهَ، (اهْتَاجَ) ثَارَ، (الشوْقُ) نِزَاعُ النفْسِ إلى شَيءٍ.
المعنى: يَقولُ: كانَ الأمْرُ الفلانى الفُلانيُّ في العَشِيَّةِ التي لو ظَهَرَتْ فيها سُعْدَى لعابِدٍ مِن عُبَّادِ النَّصارَى مُقِيمٍ بدُومَةِ الجنْدَلِ، وكانَ عِندَه تُجَّارٌ وحُجَّاجٌ يَلْتَمِسونَ ما عِندَه لأَبْغَضَ دِينَه وتَرَكَه وثَارَ شَوْقًا لها.
الإعرابُ: (عَشِيَّةَ) مَنصوبٌ على الظَّرفيَّةِ، (سُعْدَى) مُبتَدَأٌ، (لو) شَرطيَّةٌ غيرُ جازِمَةٍ، (تَرَاءَتْ) تَرَاءَى: فعْلٌ ماضٍ والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو هي يَعودُ إلى سُعْدَى، (لرَاهِبٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَرَءاَتْ، والجُملَةُ شرْطُ (لو) ، (بدُومَةَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صِفَةٌ لرَاهِبٍ، (تَجْرٌ) مبتَدَأٌ، (دُونَهُ) دُونَ: ظرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِمَحذوفٍ خبَرُ المبتَدَأِ، ودُونَ مُضافٌ، وضَميرُ الغائِبِ عائدٌ إلى راهِبٍ مُضافٌ إليه، و (حَجيجُ) معطوفٌ على (تَجْرٌ) ، وجُملةُ المبتَدَأِ والخبَرِ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ أُخرى لرَاهِبٍ، (قَلَى) فعْلٌ ماضٍ، والفاعلُ ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو يَعودُ على راهِبٍ، (دِينَهُ) دِينَ: مَفعولٌ به لِقَلَى، ودِينَ مُضافٌ والهاءُ مُضافٌ إليه، والجُملَةُ جَوَابُ (لو) ، وجُملَةُ الشرْطِ والجوابِ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ المُبْتَدَأِ الذي هو (سُعْدَى) ، وجُملةُ المبتدَأِ والخبَرِ في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافَةِ الظرْفِ، وهو (عَشِيَّةَ) ، إليها، (واهتاجَ) فعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُستَتِرٌ فيه يَعودُ إلى راهِبٍ، والجُملَةُ مَعطوفَةٌ على جُملةِ الجوابِ، (للشوْقِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باهْتَاجَ، (إنَّها) إنَّ: حرْفُ توكيدٍ ونَصْبٍ، وها: اسمُه، (على الشَّوْقِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (هَيُوجُ) الآتي، (إخوانَ) مَفعولٌ به لِهَيُوجُ، وإخوانَ مُضافٌ، و (العَزاءِ) مضافٌ إليه، (هَيُوجُ) خبَرُ إِنَّ.
الشاهِدُ فيه: قولُه: (إِخوانَ العَزاءِ هَيُوجُ) ؛ حيثُ أَ عْمَلَ قولَه: (هَيُوجُ) ، وهو مِن صِيَغِ المبالَغَةِ، إعمالَ الفعْلِ، فنَصَبَ به المفعولَ، وهو قولُه: (إخوانَ) ، وهو معتَمِدٌ على المسنَدِ إليه الذي هو اسمُ إنَّ.
وفي البيتِ دَلي لٌ على أنَّ هذا العامِلَ - وإنْ كان فَرْعًا عن الفعْلِ - لم يَضْعُفْ عن العمَلِ في المعمولِ المتقدِّمِ عليه، إلا أَلاَ ترَى أنَّ قولَه: (إخوانَ العَزَاءِ) متَقَدِّمٌ، معَ كونِه مَفعولًا لقولِه: (هَيُوجُ) ، وقد دقَدَّمْنَا أنَّ قولَ العاربِ: (أمَّا العسَلَ فأنَا شَرَّابٌ) الذي رَوَاهُ سِيبَوَيْهِ الثِّقَةُ يَدُلُّ على ذلك أَيْضًا، وأنَّ هذا يَرُدُّ ما ذهَبَ إليه الكُوفِيُّونَ مِن أنَّ مَعمولَ هذه الصِّفَةِ لا يَتقدَّمُ عليها، زَعَمُوا إنها أنَّها فرْعٌ في العمَلِ عن فرْعٍ؛ لأنها فرْعٌ عن اسمِ الفاعلِ، وهو فرْعٌ عن الفعْلِ المضارِعِ، وإن وأنَّ ذلكَ سببٌ في ضَعْفِها، وأنَّ ضَعْفَها يَمْنَعُ مِن عَمَلِها مُتأَخِّرَةٌ، والجوابُ: أنَّه لا قِياسَ معَ النَّصِّ.