الصفحة 541 من 811

التَّعَجُّبُ

بأفْعَلَ انْطِقْ بعدَ ما تَعَجُّبَا ... أو جِئْ بأَفْعِلْ قَبلَ مَجرورٍ بِبَا [1]

وتِلْوَ أَفْعَلَ انْصِبَنَّهُ كَمَا ... أَوْفَى خَلِيلَيْنَا وأَصْدِقْ بِهِمَا [2]

للتَّعَجُّبِ صِيغتانِ [3] : إحْدَاهما"ما أَفْعَلَه"، والثانيةُ"أَفْعِلْ به"، وإليهما أَشارَ المصنِّفُ بالبيتِ الأوَّلِ؛ أي: انطِقْ بأَفْعَلَ بعْدَ"ما"للتَّعَجُّبِ، نحوُ:"ما أَحْسَنَ زَيدًا، وما أَوْفَى خَلِيلَيْنَا"، أو جِئْ بأفْعَلَ قَبلَ مَجرورٍ بِبَا، نحوُ:"أَحْسِنْ بالزَّيدينِ، وأَصْدِقْ بهما"، فما مُبتَدَأٌ، وهي نَكِرَةٌ تامَّةٌ عندَ سِيبَوَيْهِ، و"أَحْسِنْ"فِعْلٌ ماضٍ فاعِلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ عائدٌ على"ما"، و"زَيْدًا"مفعولُ أحْسِنْ، والجملَةُ خبَرٌ عن"ما"، والتقديرُ"شيءٌ أحْسَنَ زَيْدًا"؛ أي: جَعَلَه حَسَنًا، وكذلك"ما أَوْفَى خَلِيلَيْنَا".

وأمَّا أفْعِلْ ففِعْلُ أمْرٍ [4] ، ومَعناهُ التَّعَجُّبُ، لا الأمْرُ، وفاعِلُه المجرورُ بالباءِ، والباءُ زَائدةٌ، واستُدِلَّ على فِعْلِيَّةِ أفْعَلْ بلُزومِ نُونِ الوِقايةِ له إذا اتَّصَلَتْ به ياءُ المتكلِّمِ، نحوُ:"ما أَفْقَرَنِي إلى عفْوِ اللهِ"، وعلى فِعْلِيَّةِ"أفْعِلْ"بدُخولِ نُونِ التوكيدِ عليه في قولِه:

268 -ومُسْتَبْدِلٍ مِن بعْدِ غَضْبَى صُرَيْمَةً فأَحْرِ بهِ مِن طُولِ فقْرٍ وأَحْرِيَا [5]

(1) (بأَفْعَلَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقوله (قولِه:(انْطِق) الآتي، (انطِقْ) فعْلُ أمْرٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا لتَقديرُه أنتَ، (بعْدَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بانْطِقْ أيضًا، وبعْدَ مُضافٌ و (ما) مُضافٌ إليه، (تَعَجُّبَا) مفعولٌ لأَجْلِه، أو حالٌ مِن الضَّميرِ المستَتِرِ في (انطِقْ) على التأويلِ بالْمُتشْتَقِّ؛ أي: انْطِقْ متَعَجِّبًا، (أو) عاطِفَةٌ، (جِئْ) فعْلُ أمْرٍ مَعطوفٌ على انطِقْ، (بأفعِلْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِجِئْ، (قَبْلَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِجِئْ أيضًا، وقَبْلَ مُضافٌ، و (مَجرورٍ) مُضافٌ إليه، (بِبَا) جا رٌّ ومَجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمجرورٍ، وقُصِرَ المجرورُ للضَّرورةِ.

(2) (وتِلْوَ) مفعولٌ لفِعْلٍ مَحذوفٍ يُفَسِّرُه ما بعْدَه؛ أي: انصِبْ تِلْوَ ... إلخ، وتِلْوَ مُضافٌ و (أَفْعَلَ) قَصَدَ لفْظَه: مُضافٌ إليه، (انْصِبَنَّهُ) انصِبْ: فعْلُ أمْرٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه أنتَ، والنونُ للتوكيدِ، والهاءُ مفعولٌ به، (كما) الكافُ جَارَّةٌ لقَوْلٍ محذوفٍ، كما سبَقَ غيرَ مَرَّةٍ، ما: تَعجُّبِيَّةٌ مُبتَدَأٌ، (أَوْ فَيى) فعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه هو يَعودُ إلى (ما) ، (خَلِيلَيْنَا) خليلىخَلِيلَيْ: مفعولٌ به لأَوْفَى، منصوبٌ بالياءِ المفتوحِ ما قَبْلَها تَحقيقًها، المكسورِ ما بعدَها تَقديرًا؛ لأنه مُثَنًّى، وهو مُضافٌ ونا مُضافٌ إليه، والجُملَةُ مِن الفعْلِ والفاعِلِ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ المبتَدَأِ، (وأصدِقْ) فعْلٌ ماضٍ جاءَ على صُورَةِ الأمْرِ، (بهما) الباءُ زائدةٌ، والضميرُ فاعلُ أصْدِقْ.####

(3) هاتانِ الصِّيغتانِ هما اللَّتانِ عَقَدَ النجاة النُّحاةُ بابَ التعجُّبِ لبَيَانِهما، فأمَّا العِباراتُ الدالَّةُ - بحَسَبِ اللُّغَةِ - على إنشاءِ التَّعَجُّبِ فكثيرةٌ: مِنها قياسىقِياسيٌّ، ومنها سماعىسَماعيٌّ، فالقياسى فالقِياسيُّ أنْ تُحَوِّلَ الفعْلَ الذي تُريدُ التعجُّبَ مِن مَدلولِه إلى صِيغَةِ فَعُلَ - بضَمِّ العينِ - وسيأتي ذِكْرُ هذا في بابِ نِعْمَ وبئسَ، وأمَّا السماعى السماعِيُّ فنحوُ قولِهم: للهِ دَرُّه فارِسًا، وقولِهم: سُبحانَ اللهِ.

(4) المشهورُ عندَ النُّحاةِ البَصرِيِّينَ إنها أنَّها فعْلٌ ماضٍ جاءَ على صُورةِ الأمْرِ، والمجرورُ بالباءِ الزائدةِ وُجُوبًا هو فاعِلُه، وأصْلُ الكلامِ: (أحْسَنَ زَيدٌ) ؛ أيْ: صارَ ذا حُسْنٍ، ثُمَّ أَرَادوا أنْ يَدُلُّوا به على إِنشاءِ التَّعَجُّبِ، فحَوَّلُوا الفعْلَ إلى صُورةِ الأمْرِ؛ ليَكونَ بصُورةِ الإنشاءِ، ثم أَرادوا أن يدلوا أنْ يُسْنِدُوه إلى زيدٍ، فاستَقْبَحُوا إسنادَ صُورةِ الأمْرِ إلى الاسمِ الظاهِرِ، فزَادُوا الباءَ ليَكونَ على صُورةِ الفَضْلَةِ، نحوُ: امْرُرْ بزَيدٍ. ثم التَزَمُوا ذلك.

(5) 268 - هذا البيتُ ممَّا اسْتَشْهَدَ به ثَعلبٌ، ولم يَعْزُهُ لقائلٍ مُعَيَّنٍ، وأَنشَدَه في (اللسانِ) ، (غ ض ب) عن ابنِ الأعرابِيِّ، ولم يَعْزُهُ إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ، وروى صَدْرَه: (ومُتستَخْلِفٍ مِن بعْدِ غضبىغَضْبَى) ، وقد أَنْشَدَه ابنُ السِّكِّيتِ في كتابِ (الألفاظِ) ، (ص 37) كما أَنشدَهُ صاحِبُ (اللسانِ) .

اللُّغَةُ: (غضبىغَضْبَى) - بفتْحِ الغَينِ وسُكونِ الضادِ الْمُعْجَمَيتَيْنِ وفتْحِ الباءِ الموَحَّدَةِ - اسمٌ للمِائةِ مِن الإبِلِ، وهى وهي معرِفَةٌ لا تُنَوَّنُ ولا تَدْخُلُ عليها ألْ، ذَكَرَ ذلك الجوهرى الجَوْهَرِيُّ والصاغانى والصَّاغَانِيُّ وابنُ سِيدَهْ والزجاجى والزَّجَّاجِيُّ، وقالَ الْمَجْدُ: إنَّه تَصحيفٌ، وإنَّ صَوابَه: (غَضْيَبا) بالْمُثَنَّاةِ التَّحتيَّةِ مَقصورًا - وكأنه سُمِّيَ بذلك على التَّشبيهِ بِمَنْبِتِ الغَضَى لكثْرَتِه، (صُرَيْمَةً) تَصغيرُ صِرْمَةٍ - بكسْرِ أَوَّلِه - وهىهي القِطعةُ مِن الإبِلِ مِن بينِ العِشرينَ والثلاثينَ، ويُقالُ غيرُ ذلك، ويَجوزُ أنْ نَقْرَأَ صَرِيمَةً بفَتْحِ الصادِ، والصَّريمةُ: القِطعةُ مِن النخْلِ والإبِلِ أيضًا، ومِن الأوَّلِ قولُ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنه: (( أَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ ) )يُريدُ صاحِبَ الإبِلِ القَليلةِ والغَنَمِ القَليلةِ.

الإعرابُ: (ومُسْتَبْدِلٍ) الواوُ واوُ رُبَّ، مُستَبْدِلٍ: مُبْتَدَأٌ مرفوعٌ تَقديرًا، وفيه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فاعلُه، (مِن بعْدِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُستَبْدِلٍ، وبعْدِ مُضافٌ و (غَضْبَى) مُضافٌ إليه، (صُرَيْمَةً) مفعولٌ به لِمُستَبْدِلٍ، (فأَحْرِ) أحْرِ: فعْلٌ ماضٍ جاءَ على صُورةِ الأمْرِ، (به) الباءُ زائدةٌ، والضميرُ في اعلُ احر أَحْرِ، (مِن طُولِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَحْرِ، و (مِن) فيه بمعنى الباءِ، ويُروَى: (الِطُولِ فَقْرٍ) ، وطُولِ مُضافٌ و (فقْرٍ) مُضافٌ إليه، (وَأَحْرِيَا) الواو عاطِفَةٌ، وأَحْرِيَا: فعْلٌ ماضٍ جاءَ على صُورةِ الأمْرِ، والألِفُ مُنقَلِبَةٌ عن نُونِ التوكيدِ الْخَفيفةِ في الوقْتِ.

الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(وأَحْرِيَا) ؛ حيثُ أكَّدَ صِيغَةَ التَّعَجُّبِ بالنونِ الْخَفيفةِ، وقد عَلِمْتَ أنَّ نُونَ التوكيدِ يَخْتَصُّ دُخُولُها بالأفعالِ، فيَكونُ ذلك دَليلًا على فِعلِيَّةِ صِيغَةِ التَّعَجُّبِ، خِلافًا لِمَنِ ادَّعَى اسْمِيَّتَها.

فإنْ قُلتَ: أَلَسْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّ هذه الصِّيغَةَ فعْلٌ ماضٍ؟ فإذا كانَ هذا صَحيحًا فما بالُ نونِ التوكيدِ - كما تَدَّعُونَ - قدِ اتَّصَلَتْ به، ونُونُ التوكيدِ - فيما نَعْلَمُ - إنَّما تَتَّصِلُ بالأمْرِ والمضارِعِ؟

قُلنا: الجوابُ على ذلك مِن وَجهينِ:

أحَدُهما: أنَّ اتِّصالَ نونِ التوكيدِ بالفعْلِ المضاضيى - وإنْ يَكنْ نادِرًا - ليسَ كاتِّصالِها بالاسمِ؛ فإنَّ اشتراكَ الماضى الماضي معَ المضارِعِ والأمْرِ في الفِعليَّةِ يَجْعَلُ بينَه وبينَهما قُرْبًا واتِّصالًا، فسَهُلَ - مِن اجل أجْلِ هذا - دُخولُ النونِ عليه.

والثاني: أنَّه إنَّما أُلْحِقَتِ النونُ بهذه الصيغةِ مُراعاةً لصُورَتِها؛ فإنَّها في صُورةِ فعْلِ الأمْرِ، وإنْ يَكُنْ مَعناها معنى الماضىلماضي، وهذا على المشهورِ عندَ الجُمهورِ، وقد ذَكَرَ الشارِحُ إنها أنَّها فعْلُ أمْرٍ، فلا يَرِدُ هذا الاعتراضُ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت