الصفحة 546 من 811

فبَنَوْا أَفعَلَ مِن فِعْلٍ الوصْفُ منه على أفْعَلَ، نحوُ: حَمِقَ فهوَ أَحْمَقُ، وقولِهم:"ما أَعْسَاهُ وأَعْسِ به"، فبَنَوْا أَفعَلَ وأَفْعِلْ به مِن"عَسَى"، وهو فعْلٌ غيرُ متَصَرِّفٍ.

وفِعْلُ هذا البابِ لَنْ يُقَدَّمَا ... مَعمولُهُ ووَصْلَهُ به الْزَمَا [1]

وفَصْلُه بظَرْفٍ او بحَرْفِ جَرْ ... مُسْتَعْمَلٌ والخُلْفُ في ذاك استَقَرْ [2]

لا يَجوزُ تَقديمُ مَعمولِ فعْلِ التَّعَجُّبِ عليه [3] ، فلا تَقولُ:"زَيدًا ما أحْسَنَ"، ولا"ما زَيدًا أَحْسَنَ"، ولا"بزَيْدٍ أَحْسَنَ"، ويَجِبُ وَصْلُه بعامِلِه، فلا يُفصَلُ بينَهما بأَجْنَبِيٍّ، فلا تَقولُ في:"ما أَحسَنَ مُعطِيَكَ الدِّرْهَمَ":"ما أحسَنَ الدِّرْهَمَ مُعطِيَكَ"، ولا فرْقَ في ذلك بينَ الْمَجرورِ وغيرِه، فلا تَقولُ:"ما أحْسَنَ بزَيدٍ مَارًّا"تُريدُ:"ما أحسَنَ مَارًّا بزَيْدٍ"، ولا"ما أحسَنَ عندَك جالِسًا"، تُريدُ:"ما أَحْسَنَ جالِسًا عندَك"، فإنْ كانَ الظرْفُ أو المجرورُ مَعمولًا لفِعْلِ التعَجُّبِ، ففي جَوازِ الفصْلِ بكُلٍّ مِنهما بينَ فعْلِ التَّعَجُّبِ ومَعمولِه خِلافٌ، والمشهورُ جَوازُه، خِلاَفًا للأَخْفَشِ والْمُبَرِّدِ ومَن وافَقَهُما، ونَسَبَ الصَّيْمَرِيُّ المنْعَ إلى سِيبَوَيْهِ، ومِمَّا وَرَدَ فيه الفصْلُ في النثْرِ قولُ عمرِو بنِ مَعْدِ يَكَرِبَ:"للهِ دَرُّ بَنِي سُليمٍ؛ ما أحسَنَ في الْهَيجاءِ لِقَاءَها، وأَكْرَمَ في اللَّزَبَاتِ عَطاءَها، وأَثْبَتَ في الْمَكْرُماتِ بَقَاءَها". وقولُ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجْهَه، وقد مَرَّ بعَمَّارٍ فمَسَحَ الترابَ عن وَجهِه:"أَعْزِزْ عَلَيَّ أبا اليَقظانِ أنْ أَراكَ صَريعًا مُجَدَّلًا"، ومِمَّا وَرَدَ منه مِن النظْمِ قولُ بعضِ الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم:

271 -وقالَ نَبِيُّ المسلمينَ تَقَدَّمُوا وأَحبِبْ إلينا أنْ تَكونَ الْمُقَدَّمَا [4]

(1) (وفِعْلُ) مُبتَدَأٌ، وفِعْلُ مُضافٌ واسمُ الإشارةِ مِن (هذا) مُضافٌ إليه، (البابِ) بدَلٌ أو عطْفُ بَيانٍ، أو نعْتٌ لاسمِ الإشارةِ، (لن) نَافِيَةٌ ناصِبَةٌ، (يُقَدَّمَا) فعْلٌ مُضارِعٌ مبنىمَبنيٌّ للمجهولِ، (مَعمولُه) معمولُ: نائبُ فاعلِ يُقَدَّمَ، ومعمولُ مضافٌ والهاءُ مُضافٌ إليه، والجُملَةُ مِن الفعْلِ ونائِبِ الفاعلِ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ المبتَدَأِ، (ووَصْلَهُ) وَصْلَ: مفعولٌ مُقَدَّمٌ لقولِه: (الْزَمَا) الآتي، ووَصْلَ مُضافٌ والضميرُ مُضافٌ إليه، (بما) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بوَصْلَ، (الْزَمَا) فعْلُ أمْرٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه أنتَ، والألِفُ مُنقَلِبَةٌ عن نونِ التوكيدِ الْخَفيفةِ.

(2) (وفَصْلُه) مُبْتَدَأٌ ومُضافٌ إليه، (بظَرْفٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بفَصْلٍ، (أو بحَرْفِ) مَعطوفٌ على بظرْفٍ، وحرْفِ مُضافٌ و (جَرْ) مُضافٌ إليه، (مُسْتَعْمَلٌ) خبَرُ المبتَدَأِ، (والخُلْفُ) مُبْتَدَأٌ، (في ذاكَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بالخُلْفُ، والجُملَةُ مِن (استَقَرْ) وفاعِلِهِ المستَتِرِ فيه جَوازًا في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ المبتَدَأِ.

(3) فعْلُ التَّعَجُّبِ جامِدٌ غيرُ متَصَرِّفٍ كما عَلِمْتَ، والفعْلُ الجامِدُ ضَعيفٌ في ذَاتِه، فلا يتَصَرَّفُ في مَعمولِه بتَغييرِ مَوضِعِه، ولا بتَقديمِه عليه، ولا بالفصْلِ بينَه وبينَه.

(4) 271 - البيتُ للعَبَّاسِ بنِ مِرْدَاسٍ، أحَدِ الْمُؤَلَّفَةِ قلوبُهم الذين أَعطاهُم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن سبى سَبْيِ حُنينٍ مِائةً مِن الإبِلِ.

الإعرابُ: (وقالَ) فعْلٌ ماضٍ، (نبىنَبِيُّ) فاعلٌ، ونبى ونَبِيُّ مُضافٌ و (المسلمينَ) مُضافٌ إليه، (تَقَدَّمُوا) فعْلُ أمْرٍ وفاعِلُه، والجُملَةُ في مَحَلِّ نصْبٍ مَقولُ القَوْلِ، (وأَحْبِبْ) فعْلٌ ماضٍ جاءَ على صُورةِ الأمْرِ، فعْلُ تَعَجُّبٍ، (إلينا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَحْبِبْ، (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، (تَكونَ) فعْلٌ مُضارِعٌ ناقِصٌ منصوبٌ بأنْ، وفيه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ وُجُوبًا تَقديرُه أنتَ هو اسمُه، (الْمُقَدَّمَا) خبَرُ تَكونَ، و (أن) الْمَصدريَّةُ وما دخَلَتْ عليه في تَأويلِ مَصدرٍ مَجرورٍ بباءٍ زائدةٍ مُقَدَّرَةٍ، وهو فاعِلُ فِعْلِ التعَجُّبِ، وأصْلُ الكلامِ: وأَحْبِبْ إلينا بكَونِك الْمُقَدَّمَا.

الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(إلينا) ؛ حيثُ فَصَلَ به بينَ فعْلِ التعَجُّبِ الذي هو (أَحْبِبْ) وفاعِلِهِ الذي هو المصدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِن الحرْفِ المصدرى الْمَصدَرِيِّ ومَعمولِه، وهذا الفاصِلُ جارٌّ ومجرورٌ معمولٌ لفِعْلِ التَّعَجُّبِ، وذلك جائِزٌ في الأصَحِّ مِن مَذاهِبِ النَّحْوِيِّينَ.

ومِثلُ هذا البيتِ في كلِّ ما اشتَمَلَ عليه مِن هذا البابِ قولُ الآخَرِ:

أَخْلِقْ بذىذي الصبْرِ أنْ يَحْظَى بحَاجَتِهِ ... ومُدْمِنِ القَرْعِ للأبوابِ أنْ يَلِجَا

فإنَّ الْمَصدرَ الْمُنسَبِكَ مِن (أنْ يَحْظَى بحَاجَتِه) مَجرورٌ بياء بباءٍ زائدَةٍ، وهو فاعِلُ أَخْلِقْ، وقد فَصَلَ بينَهما بقولِه: (بذىذي الصبْرِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت