فهرس الكتاب
إذا تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ على الْمَخصوصِ بالمدْحِ أو الذمِّ أَغْنَى عن ذِكْرِه آخِرًا؛ كقولِه تعالَى في أيُّوبَ: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ؛ أيْ: نِعْمَ العبْدُ أيُّوبُ، فحُذِفَ المخصوصُ بالمدْحِ، وهو أَيُّوبُ؛ لِدَلالةِ ما قَبْلَه عليه.
وَاجْعَلْ كَبِئْسَ سَاءَ وَاجْعَلْ فَعُلاَ ... مِنْ ذِي ثَلاَثَةٍ كَنِعْمَ مُسْجَلاَ [1]
تُستعْمَلُ"ساءَ"في الذمِّ استعمالَ"بِئْسَ"، فلا يَكونُ فاعلُها إلاَّ ما يَكونُ فاعِلًا لبِئْسَ، وهو الْمُحَلَّى بالألِفِ واللامِ، نحوُ:"ساءَ الرجُلُ زَيْدٌ"، والمضافُ إلى ما فيه الألِفُ واللامُ، نحوُ:"ساءَ غُلامُ القوْمِ زَيدٌ"، والمضمَرُ المفسَّرُ بنَكِرَةٍ بعْدَه، نحوُ:"ساءَ رجُلًا زَيْدٌ"، ومنه قولُه تعالى: {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا} . ويُذْكَرُ بعدَها المخصوصُ بالذمِّ كما يُذكَرُ بعْدَ بئْسَ، وإعرابُه كما تَقَدَّمَ، وأشارَ بقولِه: (واجْعَلْ فَعُلاَ) إلى أنَّ كلَّ فعْلٍ ثُلاثيٍّ يَجوزُ أنْ يُبنَى منه فِعْلٌ على فَعُلَ لقَصْدِ المدْحِ أو الذمِّ، ويُعامَلُ مُعامَلَةَ"نِعْمَ وبِئْسَ"في جَميعِ ما تقدَّمَ لهما مِن الأحكامِ، فتقولُ:"شَرُفَ الرجُلُ زَيدٌ، ولَؤُمَ الرجُلُ بكْرٌ، وشَرُفَ غُلامُ الرجُلِ زَيدٌ، وشَرُفَ رَجُلًا زَيدٌ".
ومُقتضَى هذا الإطلاقِ أنَّه يَجُوزُ في عَلِمَ أنْ يُقالَ:"عَلُمَ الرجُلُ زَيدٌ"بضَمِّ عَينِ الكَلِمَةِ، وقد مَثَّلَ هو وابنُه به، وصرَّحَ غيرُه أنَّه لا يَجوزُ تَحويلُ"عَلِمَ وجَهِلَ وسَمِعَ"إلى فَعُلَ بضمِّ العَيْنِ؛ لأنَّ العرَبَ حينَ استَعْمَلَتْها هذا الاستعمالَ أَبْقَتْها على كَسْرَةِ عَيْنِها ولم تُحَوِّلْها إلى الضمِّ، فلا يَجوزُ لنا تَحويلُها، بل نُبْقِيهَا على حالِها كما أَبْقَوْهَا، فتَقولُ:"عَلِمَ الرجُلُ زيدٌ، وجَهِلَ الرجُلُ عمرٌو، وسَمِعَ الرجُلُ بكْرٌ".
ومِثلُ نِعْمَ حَبَّذَا الفاعلُ ذَا ... وإنْ تُرِدْ ذَمًّا فقُلْ لاَ حَبَّذَا" [2] "
يُقالُ في المدْحِ:"حَبَّذَا زَيْدٌ"، وفي الذمِّ:"لا حَبَّذَا زَيْدٌ"؛ كقولِه:
277 -ألاَ حَبَّذَا أهْلُ الْمَلاَ غيرَ أنَّهُ إذا ذُكِرَتْ مَيٌّ فَلاَ حَبَّذَا هِيَا [3]
(1) و (اجعَلْ) فعْلُ أمْرٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه أنتَ، (كبِئْسَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ با جْعَلْ، وهو مَفعولُه الثانى الثاني، (ساءَ) قَصَدَ لفْظَه: مفعولٌ أوَّلُ لا جْعَلْ، (واجْعَلِ) الواوُ عاطِفَةٌ، اجْعَلْ فعْلُ أمْرٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه أنتَ، وجُملتُه مَعطوفةٌ على جُملةِ اجْعَلِ السابقةِ، (فَعُلاَ) مفعولٌ أوَّلُ لاجعَلْ، (مِن ذىذي) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن (فَعُلاَ) ، وذىذي مُضافٌ و (ثلاثةٍ) مُضافٌ إليه، (كنِعْمَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باجْعَلْ، وهو مَفعولُه الثانى الثاني، (مُسْجَلاَ) حالٌ مِن نِعْمَ.
(2) (ومِثلُ) مُبتَدَأٌ، ومثلُ مُضافٌ و (نِعْمَ) قَصَدَ لفْظَه: مُضافٌ إليه، (حَبَّذَا) قَصَدَ لفْظَه أَيضًا: خبَرُ المبتَدَأِ، (الفاعِلُ ذا) مُبْتَدَأٌ وخبَرٌ، (وإنْ) شرطيَّةٌ، (تُرِدْ) فعْلٌ مُضارِعٌ فعْلُ الشرْطِ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه أنتَ، (ذَمًّا) مفعولٌ به لِتُرِدْ، (فَقُلِ) الفاءُ واقعةٌ في جوابِ الشَّرْطِ، قُلْ: فعْلُ أمْرٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه أنتَ، (لا) النافيةٌ، (حبَّذَا) فعْلٌ وفاعلٌ، والجُملَةُ مَقولُ القوْلِ في مَحَلِّ نصْبٍ، وجملةُ قُلْ ومَعمولاتِه في مَحَلِّ جزْمٍ جوابُ الشَّرْطِ.
(3) 277 - البيتُ لكَنْزَةَ - بكافٍ مَفتوحةٍ فنُونٍ ساكِنَةٍ - أُمِّ شَمْلَةَ بنِ بُرْدٍ المنقرىلْمِنْقَرِيِّ، مِن أبياتٍ تَهجُو فيها مَيَّةَ صاحبةَ ذى ذي الرُّمَّةِ؛ كذا قالَ أبو تَمَّامٍ، وقِيلَ: البيتُ الذي لذى لذِي الرُّمَّةِ نفْسِه؛ قالَه التبريزى التِّبْرِيزِيُّ شارِحُ الحَمَاسَةِ، ورَوَى بعْدَ بيتِ الشاهِدِ قولَه:
على وَجْهِ مى مَيٍّ مَسْحَةٌ مِن مَلاَحَةٍ ... وتحتَ الثيابِ العارُ لو كانَ بادِيَا
اللُّغَةُ: (الْمَلاَ) بالقَصْرِ: الفَضاءُ الواسِعُ.
الإعرابُ: (ألا) أَداةُ استفتاحٍ وتَنبيهٍ، (حَبَّذَا) فعْلٌ وفاعلٌ، والجُملَةُ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرٌ مُقَدَّمٌ، (أهْلُ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وأهْلُ مُضافٌ و (الْمَلاَ) مُضافٌ إليه، (غيرَ) نُصِبَ على الاستثناءِ، (أنَّهُ) أنَّ: حرْفُ تَوكيدٍ ونَصْبٍ، وضَميرُ القِصَّةِ والشأنِ اسمُه، (إذا) ظرْفٌ تَضَمَّنَ معنى الشرْطِ، (ذُكِرَتْ) : ذُكِرَ فعْلٌ ماضٍ مبنىمَبنيٌّ للمَجهولِ، والتاءُ للتأنيثِ، (مىمَيٌّ) نائبُ فاعِلِ ذُكِرَ، والجُملَةُ مِن الفعْلِ ونائِبِ الفاعِلِ في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافَةِ (إذا) إليها، (فلا) الفاءُ واقعةٌ في جَوابِ إذا، لا: نافِيَةٌ، (حَبَّذَا) فعْلٌ وفاعِلٌ، والجُملَةُ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرٌ مقَدَّمٌ، (هِيَا) مُبْتَدَأٌ مؤَخَّرٌ، وجملةُ المبتدَأِ والخبَرِ لا مَحَلَّ لها مِن الإعرابِ جوابُ الشَّرْطِ غيرِ الجازِمِ، وجُملتَا الشرْطِ وجوابِه في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ أنَّ، وأنَّ وما دَخَلَتْ عليه في تَأويلِ مَصدَرٍ مجرورٍ بإضافَةِ غيرَ إليه.
الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(حَبَّذَا أهْلُ الْمَلاَ، ولا حَبَّذَا هِيَا) ؛ حيثُ اسْتَعْمَلَ (حَبَّذَا) في صدْرِ البيتِ في المدْحِ كاستعمالِ (نِعْمَ) ، واستعْمَلَ (لا حَبَّذَا هِيَا) في عَجُزِ البيتِ في الذمِّ كاستعمالِ (بِئْسَ) ، ومِثلُ هذا البيتِ في استعمالِ الكَلِيمَتَيْنِ معًا قولُ الآخَرِ:
أَلاَ حَبَّذَا عاذرى عاذِرِي في الْهَوَى ... ولا حبَّذَا العاذِلُ الجاهِلُ
وقالَ عمَرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ المخزومىلْمَخْزُومِيُّ:
فَظَلْتُ بِمَرْأَى شائِقٍ وبِمَسْمَعٍ ... ألاَ حَبَّذَا مَرْأَى هناكَ ومَسْمَعُ
ومِن هنا تَعْلَمُ أنَّه لا يُشْتَرَطُ في فاعِلِ (حبَّذَا) - إذا اعْتَبَرْتَها كلَّها فِعْلًا ماضِيًا - أنْ يَكونَ مَقرونًا بألْ، بل لا يُشْتَرَطُ فيهِ أنْ يَكونَ مَعرِفةً، فإنَّ الأَوَّلَ يَقولُ: (حبَّذَا عاذرىعاذِرِي) ، فأتَى بالفاعِلِ مَعْرِفَةً غيرَ مُقْتَرِنٍ بألْ، والثانى والثانِيَ يَقولُ: (حبَّذَا مَرْأَى) فأتَى بالفاعِلِ نَكِرَةً.