فهرس الكتاب
تَقدَّمَ في بابِ التعجُّبِ أنَّه يُتَوَصَّلُ إلى التعَجُّبِ مِن الأفعالِ التي لم تَسْتَكْمِلِ الشروطَ بـ"أَشَدَّ"ونحوِها، وأَشَارَ هنا إلى أنَّه يُتَوَصَّلُ إلى التفضيلِ مِن الأفعالِ التي لم تَسْتَكْمِلِ الشروطَ بما يُتَوَصَّلُ به في التعَجُّبِ، فكما تَقولُ: ما أَشَدَّ استخراجَه، تقولُ:"هو أَشَدُّ استخراجًا مِن زَيْدٍ"، وكما تَقولُ:"ما أشدَّ حُمْرَتَه"تقولُ:"هو أشَدُّ حُمْرَةً مِن زَيْدٍ"، لكنَّ المصدَرَ يَنتصِبُ في بابِ التعجُّبِ بعْدَ أشَدَّ مَفعولًا، وههنا يَنْتَصِبُ تَمييزًا.
وأَفْعَلَ التفضيلِ صِلْهُ أَبَدَا ... تَقديرًا اوْ لَفْظًا بِمِنْ إنْ جُرِّدَا [1]
لا يَخلُو أفْعَلُ التفضيلِ عن أحَدِ ثلاثةِ أحوالٍ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ مُجَرَّدًا.
الثاني: أنْ يَكونَ مُضافًا.
الثالثُ: أنْ يَكونَ بالألِفِ واللاَّمِ.
فإنْ كانَ مُجَرَّدًا فلا بُدَّ أنْ يَتَّصِلَ به"مِن"لفْظًا أو تَقديرًا [2] جارَّةً للمفَضَّلِ، نحوُ:"زيْدٌ أفضَلُ مِن عمرٍو، ومَرَرْتُ برجُلٍ أفْضَلَ مِن عِمرٍو"، وقد تُحْذَفُ"مِن"ومَجرورُها للدَّلالَةِ عليهما؛ كقولِه تعالى: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} ؛ أيْ: وأَعَزُّ مِنْكَ نَفَرًا.
وفُهِمَ مِن كلامِه أنَّ أفعَلَ التفضيلِ إذا كانَ بـ"ألْ"أو مُضافًا لا تَصحَبُه"مِن" [3] ؛ فلا تَقولُ:"زيْدٌ الأفضَلُ مِن عَمْرٍو"، ولا:"زَيْدٌ أفضَلُ الناسِ مِن عمرٍو".
(1) ، (وأفعَلَ) مَفعولٌ به لفعْلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه ما بعدَه، وأفعَلَ مضافٌ و (التفضيلِ) مضافٌ إليه، (صِلْهُ) صِلْ: فعْلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه: أنتَ، والهاءُ مَفعولٌ به، (أَبَدَا) منصوبٌ على الظَّرفيَّةِ، (تَقديرًا) حالٌ، (أو لَفظًا) معطوفٌ عليه، (بِمِن) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بصِلْ، (إنْ) شَرطيَّةٌ، (جُرِّدَا) جُرِّدَ: فعْلٌ ماضٍ مبنىمَبنيٌّ للمجهولِ، فعْلُ الشرْطِ، ونائبُ الفاعلِ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه: هو، والألِفُ للإطلاقِ، وجوابُ الشرْطِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه سابِقُ الكلامِ.
(2) يَجُوزُ أنْ يُفْصَلَ بينَ أفْعَلِ التفضيلِ ومِن الجارَّةِ للمَفضولِ بأحَدِ شَيئينِ:
الأوَّلُ: مَعمولُ أفْعَلِ التفضيلِ، نحوُ قولِه تعالى: {النبى النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} .
والثاني: لو الشرطيَّةُ ومَدخولُها، نحوُ قولِ الشاعِرِ:
ولَفُوكِ أَطْيَبُ لو بَذَلْتِ لَنَا ... مِنْ مَاءٍ مَوْهِبَةٍ عَلَى خَمْرِ
(3) رُبَّمَا جاءَ بعْدَ أفعلِ التفضيلِ المقتَرِنِ بال بألْ أو الْمُضافِ (مِن) ؛ كما في قولِ الأَعْشَى، وسيأتي قريبًا ونَشْرَحُه لكَ، هو الشاهِدُ رَقْمُ 280:
ولستَ بالأكثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ... وإنَّمَا العِزَّةُ للكاثِرِ
وكما في قولِ سعْدٍ القَرْقَرَةِ:
نحنُ بغَرْسِ الوَدِيِّ أَعْلَمُنَا ... مِنَّا برَكْضِ الْجِيَادِ في السَّدَفِ
كما جاءَ الْمُجَرَّدُ مِن ألْ والإضافَةِ غيرَ مَقرونٍ بِمِن في قولِ امْرِئِ الْقَيْسِ بنِ حُجْرٍ الكندىلكِنْدِيِّ:
عليها فَتًى لم تَحْمِلِ الأرْضُ مِثْلَه ... ابر أبَرَّ بِمِيثاقٍ وأَوْفَى وَأَصْبَرَا