فهرس الكتاب
كَلَنْ تَرَى في الناسِ مِن رَفيقِ ... أَوْلَى به الفَضْلُ مِنَ الصِّدِّيقِ [1]
لا يَخْلُو أفْعَلُ التفضيلِ مِن أنْ يَصْلُحَ لوُقوعِ فِعْلٍ بمعناه مَوْقِعَه أوْ لاَ، فإنْ لم يَصْلُحْ لوُقوعِ فعْلٍ بمعناه مَوْقِعَه لم يَرْفَعْ ظاهرًا، وإنَّما يَرفَعُ ضَميرًا مُستَتِرًا، نحوُ:"زيْدٌ أفضَلُ مِن عمرٍو"، ففي"أفْضَلُ"ضَميرٌ مُستَتِرٌ عائدٌ على"زَيْدٌ"، فلا تقولُ:"مَرَرْتُ برَجُلٍ أفضَلَ منه أُبوهُ"، فتَرْفَعُ"أبوه"بـ"أفضَلَ"، إلاَّ في لُغَةٍ ضَعيفةٍ حكاها سِيبَوَيْهِ.
فإنْ صَلَحَ لوُقوعِ فعْلٍ بمعناه مَوْقِعَه، صَحَّ أنْ يَرفعَ ظاهِرًا قِيَاسًا مُطَّرِدًا، وذلك في كلِّ موْضِعٍ وَقَعَ فيه أفعَلُ بعدَ نَفْيٍ أو شِبْهِهِ، وكانَ مَرفوعُه أَجنَبِيًّا مُفَضَّلًا على نفْسِه باعتِبَارَيْنِ، نحوُ:"ما رأيتُ رجُلًا أحسَنَ في عينِه الكُحْلُ منه في عَيْنِ زيْدٍ"، فـ"الكحْلُ"مرفوعٌ بـ"أحسَنَ"؛ لصحَّةِ وُقوعِ فعْلٍ بمعناه مَوْقِعَه، نحوُ:"ما رَأَيْتُ رجُلًا يَحْسُنُ في عَينِه الكُحْلُ كزيدٍ"، ومِثلُه قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (( مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبَّ إِلَى اللهِ فِيهَا الصَّوْمُ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ) ). وقولُ الشاعِرِ أَنشدَه سِيبَوَيْهِ:
285 -مَرَرْتُ على وادِي السِّبَاعِ ولا أَرَى كوَادِي السِّباعِ حينَ يُظْلِمُ وَادِيَا
أَقَلَّ به رَكْبٌ أَتَوْهُ تَئِيَّةً ... وأخوَفَ إلاَّ ما وَقَى اللهُ سَارِيَا [2]
(1) (كلَن) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، كما سَبَقَ مِرارًا، لَنْ: حرْفُ نفى نفْيٍ ونَصْبٍ، (ترَى) فعْلٌ مضارِعٌ منصوبٌ تقديرًا بلَنْ، والفاعِلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه: أنتَ، (في الناسِ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بتَرَى، (مِن) زائدةٌ، (رَفيقِ) مَفعولٌ به لِتَرَى، (أَوْلَى) اسمُ تَفضيلٍ، نعْتٌ لرَفيقِ، (به) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بأَوْلَى، (الفَضْلُ) فاعِلُ أَوْلَى، (مِن الصَّدِّيقِ) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بأَوْلَى.
(2) 285 - البيتانِ لِسُحَيْمِ بنِ وثيلٍ الرياحىلرِّيَاحِيِّ.
اللغةُ: (وادى وَادِي السِّبَاعِ) اسمُ مَوْضِعٍ بطريقِ البَصرةِ، وهو ا لذي قُتِلَ فيه الزُّبيرُ بنُ العوَّامِ رَضِيَ اللهُ عنه، (تَئِيَّةً) بفتْحِ التاءِ الْمُثَنَّاةِ، وكسْرِ الهمزةِ بعْدَها، وتَشديدِ الياءِ - مَصْدَرُ تَأَيَّا بالمكانِ؛ أيْ: تَوَقَّفَ وتَمَكَّثَ وتَأَنَّى وتَمَهَّلَ، (سارِيًا) اسمُ فاعِلٍ مِن سَرَى؛ أيْ: سارَ في الليلِ.
المعنى: يقولُ: مَرَرْتُ على وادى وادِي السِّباعِ، فإذا هو وادٍ قد أَقْبَلَ ظَلاَمُه، واشْتَدَّ حِنْدِسُه، فلا تُضَاهِيهِ أَوْدِيَةٌ، ولا تُمَاثِلُه في تَمَهُّلِ مَن يَرِدُهُ مِن الرُّكْبانِ، ولا في ذُعْرِ المسافرينَ أو خَوْفِ القادمينَ عليه، في أيِّ وقْتٍ إلاَّ في الوقْتِ الذي يقى يَقِي اللهُ فيه السارِينَ ويُؤَمِّنُ فزَعَهم، ويُهَدِّئُ رَوْعَهم.
الإعرابُ: (مَرَرْتُ) فعْلٌ وفاعلٌ، (على وادىوادي) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بَمَرَرْتُ، ووداى ووادي مضافٌ و (السِّباعِ) مضافٌ إليه، (ولا) الواوُ واوُ الحالِ، لا: نافِيَةٌ، (أَرَى) فعْلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه: أنا، (كوادىكَوَادِي) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بمحذوفٍ يَقَعُ مَفعولًا ثانيًا لأَرَى إذا قَدَّرْتَها عِلْمِيَّةً، ويَقعُ حالًا مِن نقولِه: (وَادِيَا) الآتي إذا قَدَّرْتَ رَأَى بَصَرِيَّةً، ووادى ووادي مُضَافٌ و (السِّباعِ) مضافٌ إليه، (حينَ) ظرْفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ أُخْرَى مِن (وَادِيَا) الآتي، وجُملةُ (يُظْلِمُ) معَ فاعلِه الْمُستَتِرِ فيه في مَحَلِّ جَرٍّ بإضافةِ، (حينَ) إليها، (وَادِيَا) مَفعولٌ أوَّلُ لأَرَى مؤَخَّرٌ عن المفعولِ الثانى الثاني، (أقَلَّ) نعتٌ لقولِه: وَادِيَا، وهو أفعَلُ تَفضيلٍ، (به) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ مِن (رَكْبٌ) الآتي، (رَكْبٌ) فاعلٌ لأَقَلَّ، وجُملةُ (أَتَوْهُ) من الفعْلِ والفاعِلِ والمفعولِ في مَحَلِّ رفْعٍ صِفَةٌ لِرَكْبٌ، (تَئِيَّةً) تَمييزٌ لأفعْلِ التفضيلِ، و (أَخْوَفَ) معطوفٌ على (أقَلَّ) ، وقوله (قولُه:(إلاَّ) أداةُ استثناءٍ مُلْغَاةٌ، (ما) مَصدرِيَّةٌ ظَرفيَّةٌ، (وَقَى) فعْلٌ ماضٍ، (واللهُ) فاعِلُ وَقَى، وما المَصدرِيَّةٌ معَ مَدْخُولِها في تأويلِ مَصْدَرٍ؛ أي: وِقايةَ اللهِ، وهذا المصدَرُ منصوبٌ على أنه نائبٌ عن ظرْفِ الزمانِ؛ لكثرةِ نِيابَةِ المصدَرِ عن ظرْفِ الزمانِ؛ كقُدومِ الحاجِّ وطُلوعِ البُسْرِ، وإمَّا منصوبٌ على نزْعِ الخافِضِ، وأصْلُ الكلامِ: إلاَّ في وِقايةِ اللهِ؛ أيْ: في وقتِ وِقايةِ اللهِ، والمستثنَى منه مَحذوفٌ، وتَقديرُه: وأَخْوَفَ في كلِّ وقتٍ إلاَّ في وقْتِ وِقايةِ اللهِ، (سارِيَا) ، قيلَ: هو مَفعولٌ به لِوَقَى، وأحسَنُ مِن هذا أنْ يكونَ تَمييزًا لأفعَلِ التفضيلِ الذي هو أَخْوَفَ.
الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(أقَلَّ به رَكْبٌ) ؛ حيثُ رفَعَ أفعلُ التفضيلِ اسْمًا ظاهِرًا.