الصفحة 582 من 811

كلُّ ما جازَ أنْ يَكونَ عطْفَ بَيانٍ, جازَ أنْ يَكونَ بَدَلًا, نحوُ: ضَرَبْتُ أبا عبدِ اللهِ زَيدًا.

واستَثْنَى المصَنِّفُ من ِذلك مَسألتينِ, يَتعَيَّنُ فيهما كونُ التابِعِ عَطْفَ بيانٍ [1] :

الأُولَى: أنْ يَكونَ التابِعُ مُفْرَدًا, مَعرِفَةً, مُعْرَبًا؛ والمتبوعُ مُنادًى, نحوُ:"يا غُلامُ يَعْمُرَا"، فيَتَعَيَّنُ أنْ يكونَ"يَعْمُرَا"عطْفَ بَيانٍ, ولا يَجوزُ أنْ يكونَ بدَلًا؛ لأنَّ البدَلَ على نِيَّةِ تَكرارِ العاملِ؛ فكانَ يَجِبُ بِناءُ"يَعْمُرَا"على الضمِّ؛ لأنه لو لُفِظَ بـ"يا"معَه لكانَ كذلك.

الثانيةُ: أنْ يكونَ التابِعُ خاليًا مِن ألْ والمتبوعِ بألْ, وقد أُضِيفَتْ إليه صِفَةٌ بألْ, نحوُ:"أنا الضارِبُ الرجُلِ زَيْدٍ"؛ فيَتَعَيَّنُ كونُ"زَيْدٍ"عطْفَ بيانٍ, ولا يَجُوزُ كونُه بَدَلًا مِن"الرجُلِ"؛ لأنَّ البدَلَ على نِيَّةِ تَكرارِ العامِلِ؛ فيَلزَمُ أنْ يَكونَ التقديرُ: أنا الضارِبُ زيدٍ, وهو لا يَجوزُ؛ لِمَا عرَفْتَ في بابِ الإضافَةِ مِن أنَّ الصفَةَ إذا كانَتْ بألْ لا تُضافُ إلاَّ إلى ما فيه ألْ, أو ما أُضيفَ إلى ما فيه ألْ, ومِثلُ:"أنا الضارِبُ الرجُلِ زَيدٍ"قولُه:

293 -أنا ابنُ التارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ عليهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ وُقُوعَا [2]

(1) ضَبَطَ ابنُ هِشامٍ وغيرُه الْمَسائلَ التي يَتَعَيَّنُ فيها أنْ يكونَ التابِعُ عطْفَ بيانٍ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ بدَلًا، بأحَدِ امرينأمْرَيْنِ:

الأمْرُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ التابِعُ غيرَ مُستَغْنًى عنه.

الأمْرُ الثاني: أنْ يكونَ التابِعُ غيرَ صالحٍ لأنْ يُوضَعَ في مكانِ المتبوعِ.

والمسألتانِ اللتانِ ذكَرَهما الناظِمُ وبيَّنَهما الشارِحُ مِن أفرادِ الضابِطِ الثاني؛ إلا ألاَ تَرَى أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يُوضَعَ يَعْمُرَا معَ كونِه مَنصوبًا مَوْضِعَ غلامُ المنادَى، ولا يَصلُحُ أنْ يُوضَعَ بِشْرٍ معَ كونِه عَلَمًا، وليسَ مقْتَرِنًا بأل، مَوْضِعَ البكرىلبَكْرِيِّ، ولم يَتَعَرَّضَا لتأصيلِ الضابِطِ الأوَّلِ ولا التمثيلِ له، ومِن أمْثِلَتِه أنْ يكونَ التابِعُ مشْتَمِلًا على ضَميرٍ، والمتبوعُ جزءٌ مِن جُملةٍ واقِعَةٍ خَبَرًا، وليس في هذه الجملةِ ضَميرٌ يَرْبِطُها بالمبتدَأِ، نحوُ: (على عليٌّ سافَرَ بكْرٌ أَخُوه) ؛ فإنَّه يَتَعَيَّنُ أنْ يكونَ (أَخوهُ) عطْفَ بيانٍ على بكْرٌ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ بدَلًا.

(2) 293 - البيتُ للمَرَّارِ بنِ سعيدٍ الفقعسىلفَقْعَسِيِّ.

اللغةُ: (التاركِ) يَجُوزُ أنْ يكونَ اسمَ فاعِلٍ مِن تَرَكَ بمعنى صَيَّرَ وجَعَلَ، فيَحتاجُ مَفعولينِ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ اسمَ فاعِلٍ مِن تَرَكَ بمعنى خَلَّى، فلا يَحتاجُ إلا مَفعولًا واحِدًا، (البكرىلبَكْرِيِّ) نِسبةً إلى بَكْرِ بنِ وائلٍ، (بِشْرٍ) هو بِشرُ بنُ عمرِو بنِ مَرْثَدٍ، وكانَ قد قَتَلَه سَبُعُ بنُ الْحَسْحَاسِ الفقعسىلفَقْعَسِيُّ، ورئيسُ بنى بني أَسدٍ يومَ ذاك خالدُ بنُ نَضْلَةَ الفقعسى الفَقْعَسِيُّ جَدُّ الْمَرَّارِ؛ لذلك فَخِرَ بِمَقْتَلِ بِشْرٍ، (ترقبةتَرْقُبُه) تَنْتَظِرُ خُروجَ رُوحِه؛ لأنَّ الطيْرَ لا تَهْبِطُ إلاَّ على الموتَى، وكَنَّى بذلك عن كونِه قَتَلَه.

المعنى: يَقولُ: أنا ابنُ الرجُلِ الذي تَرَكَ بِشْرًا البكرى البَكريَّ تَنْتَظِرُ الطيْرُ مَوتَه لتَقَعَ عليه.

الإعرابُ: (أنا) مبتَدأٌ، (ابنُ) خَبَرُ المبتدأِ، وابنُ مضافٌ و (التارِكِ) مضافٌ إليه، والتاركِ مُضافٌ والبكرى والبَكريِّ مضافٌ إليه، مِن إضافَةِ اسمِ الفاعِلِ إلى مَفعولِه، (بِشْرٍ) عطْفُ بيانٍ على البكرى البَكريِّ، (عليه) جارٌّ ومجرورٌ متَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبَرٌ مُقَدَّمٌ، (الطيْرُ) مُبتدأٌ مُؤَخَّرٌ، والجملةُ في مَحَلِّ نصْبٍ؛ إمَّا مَفعولٌ ثانٍ للتارِكِ، وأما وإمَّا حالٌ مِن البكرى البَكريِّ، (تَرْقُبُهُ) : فعْلٌ مضارِعٌ، وفاعلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه: هي، يعودُ إلى الطَّيْرُ، والهاءُ مَفعولٌ به، والجملةُ في مَحَلِّ نصْبٍ حالٌ مِن الطَّيْرُ، (وُقُوعَا) حالٌ مِن الضميرِ الْمُسْتَتِرِ فيه (تَرْقُبُهُ) .

الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(التارِكِ البكرى البَكريِّ بِشْرٍ) ؛ فإنَّ قوله (قولَه:(بِشْرٍ) يَتَعَيَّنُ فيه أنْ يَكونَ عطْفَ بَيانٍ على قوله (قولِه:(البكرىلبَكريِّ) ، ولا يَجوزُ أنْ يُجعَلَ بَدَلًا منه، وقد أَشارَ الشارِحُ العلاَّمَةُ إلى وجهِ امتناعِه والْخِلافِ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت