فهرس الكتاب
فاعْطِفْ بواوٍ لاحِقًا أو سابِقَا ... في الحُكْمِ أو مُصاحِبًا موَافِقَا [1]
لَمَّا ذكَرَ حُروفَ العطْفِ التِّسعةَ شَرَعَ في ذِكْرِ مَعَانِيهَا.
فالواوُ لِمُطْلَقِ الجمْعِ عندَ البَصريِّينَ، فإذَا قُلتَ:"جاءَ زيدٌ وعمرٌو"، دَلَّ ذلك على اجتماعِهما في نِسبةِ الْمَجيءِ إليهما، واحْتُمِلَ كونُ"عمرٍو"جاءَ بعْدَ"زيدٍ"، أو جاءَ قبلَه، أو جاءَ مُصاحِبًا له، وإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذلك بالقَرينةِ، نحوُ:"جاءَ زيدٌ وعمرٌو بعدَه، وجاءَ زيدٌ وعمرٌو قَبْلَه، وجاءَ زيدٌ وعمرٌو معَه".
فيُعْطَفُ بها اللاحِقُ والسابِقُ والمصاحِبُ.
ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّها للتَّرتيبِ، ورُدَّ بقولِه تعالَى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَى} [2] .
واخْصُصْ بها عَطْفَ الذي لا يُغْنِي ... مَتْبُوعُهُ كاصْطَفَّ هذا وابْنِي [3]
اخْتُصَّتِ الواوُ مِن بينِ حُروفِ العطْفِ بأنَّها يُعْطَفُ بِها حيثُ لا يُكتفَى بالمعطوفِ [4] عليه، نحوُ:"اخْتَصَمَ زيدٌ وعمرٌو"،، ولو قلتَ:"اخْتَصَمَ زَيْدٌ"لم يَجُزْ، ومِثلُه:"اصْطَفَّ هذا وابني، وتَشَارَكَ زيدٌ وعمرٌو."
ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ في هذه الْمَواضِعِ بالفاءِ ولا بغيرِها مِن حروفِ العَطْفِ، فلا تَقولُ:"اخْتَصَمَ زيدٌ فعَمْرٌو".
(1) (فاعطِفِ) الفاءُ للتفريعِ، اعطِفْ: فعْلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، (بواوٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعلِّقٌ باعطِفْ، (لاحِقًا) مفعولٌ به لاعطِفْ، (أو) عاطفةٌ، (سابِقَا) معطوفٌ على قولِه: لاحِقًا، (في الحكْمِ) جارٌّ ومجرورٌ تَنَازَعَه كلٌّ مِن (سابقًا ولاحقًا) ، (أو) عاطفةٌ، (مُصاحِبًا) معطوفٌ على سابِقًا، (موافِقَا) نعتٌ لقولِه: مُصاحِبًا.
(2) لو كانَتِ الواوُ دالَّةً على الترتيبِ - كما يقولُ الكوفِيُّونَ - لَكَانَ هذا الكلامُ اعترافًا مِن الكفَّارِ بالبَعْثِ بعْدَ الموتِ؛ لأنَّ الحياةَ الْمُرادَةَ مِن (نَحْيَا) تكونُ حينَئذٍ بعْدَ الموتِ، وهي الحَشْرُ، ومَساقُ الآيةِ وما عُرِفَ مِن حالِهم ومُرادِهم دليلٌ على أنَّهم مُنْكِرُونَ له، فالْمُرادُ مِن الحياةِ في قولِهم: (ونحييوَنَحْيَى) هي الحياةُ التي يَحْيَوْنَها في الدنيا، وهي قَبْلَ الموتِ قَطْعًا، فدَلَّتِ الآيةُ على أنَّ الواوَ لا تَدُلُّ على الترتيبِ؛ لأنَّ المعطوفَ سابِقٌ في الوُجودِ على المعطوفِ عليه.
هذا وإذا لم تُوجَدْ قَرينةٌ تُعَيِّنُ الْمَعِيَّةَ أو غيرَها، فالأرجَحُ أنْ تَكونَ الواوُ دالَّةً على مُصَاحَبَةِ المعطوفِ للمعطوفِ عليه، ويَلِيهِ أنْ يَكونَ المعطوفُ عليه سابِقًا، ثم أنْ يَكونَ المعطوفُ عليه متَأَخِّرًا.
(3) ، (واخْصُصْ) فعْلُ أمْرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مستَتِرٌ فيه وُجوبًا تَقديرُه أنتَ، (بها) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعلِّقٌ باخْصُصْ، (عطْفَ) مفعولٌ به لاخْصُصْ، وعَطْفَ مُضافٌ و (الذي) اسمٌ موصولٌ: مُضافٌ إليه، والجملةُ مِن الفعْلِ المنفى الْمَنْفِيِّ، وهو (لا يغنىيُغْنِي) ، وفاعلِه الضميرِ المستَتِرِ فيه لا مَحَلَّ لها صِلَةُ الموصولِ، (كاصْطَفَّ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، واصطَفَّ: فعْلٌ ماضٍ، (هذا) فاعلُ اصْطَفَّ، (وابْنِي) معطوفٌ على هذا.
(4) إنما يكونُ ذلك عندَما يكونُ الحُكْمُ مِمَّا لا يَقومُ إلاَّ بِمُتَعَدِّدٍ، مثلُ الاشتراكِ والاصطفافِ والاختصامِ في امثله أمْثِلَةِ الشارِحِ، وممَّا اخْتُصَّتْ به الواوُ إنها أنَّها تَعْطِفُ عامِلًا قد حُذِفَ وبَقِيَ معمولُه؛ كما قالُوه في:
وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيُونَا
وسيأتي هذا قريبًا.