فهرس الكتاب
وفي اختيارٍ لا يَجِيءُ المُنْفَصِلْ ... إِذَا تَأَتَّى أنْ يَجِيءَ المُتَّصِلْ [1]
كلُّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَ أنْ يُؤْتَى فيه بالضميرِ المُتَّصِلِ لا يَجُوزُ العُدُولُ عنه إلى المُنْفَصِلِ، إلاَّ فيما سَيَذْكُرُه المُصَنِّفُ، فلا تقولُ في أَكْرَمْتُكَ: (أَكْرَمْتُ إِيَّاكَ) ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الإتيانُ بالمتَّصِلِ، فتقولُ: أَكْرَمْتُكَ.
فإنْ لَمْ يُمْكِنِ الإتيانُ بالمُتَّصِلِ تَعَيَّنَ المنفصِلُ، نحوُ: إيَّاكَ أَكْرَمْتُ [2] ، وقد جاءَ الضميرُ في الشِّعْرِ مُنْفَصِلًا معَ إمكانِ الإتيانِ به مُتَّصِلًا؛ كقولِهِ:
(1) (وفي اخْتِيَارٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن فاعِلِ يَجِيءُ الآتِي، (لا) نافيَةٌ، (يَجِيءُ) فعلٌ مضارعٌ، (المُنْفَصِلْ) فاعلُ يَجِيءُ، (إِذَا) ظرفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِن الزمانِ، (تَأَتَّى) فعلٌ ماضٍ (أَنْ) حرفٌ مصدريٌّ ونَصْبٍ، (يَجِيءَ) فعلٌ مضارِعٌ منصوبٌ بأنْ، (المُتَّصِلْ) فاعلُ يَجِيءَ، وأنْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في تأويلِ مصدرٍ؛ فاعلِ تَأَتَّى، والتقديرُ: إذا تَأَتَّى مجيءُ المتَّصِلِ، والجملةُ من تَأَتَّى وفاعلِه في محلِّ جرٍّ بإضافةِ إذا إليها، وجوابُ إذَا محذوفٌ لدَلالةِ ما قبلَه عليه، والتقديرُ: إذَا تَأَتَّى مجيءُ المتَّصِلِ فلا يَجيءُ المنفصِلُ.
(2) اعْلَمْ أنه يَتَعَيَّنُ انفصالُ الضميرِ، ولا يُمْكِنُ المجيءُ به متَّصِلًا، في عَشَرَةِ مواضِعَ:
الأوَّلُ: أنْ يكونَ الضميرُ محصورًا؛ كقولِهِ تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} ، وكقولِ الفَرَزْدَقِ:
أنا الذَّائِدُ الحَامِي الذِّمَارَ وإنَّمَا ... يُدَافِعُ عنْ أَحْسَابِهِم أنَا أو مِثْلِي
إذِ التقديرُ: لا يُدَافِعُ عن أحسابِهم إلاَّ أنا أو مِثْلِي.
ومِن هذا النوعِ قولُ عمرِو بنِ مَعْدِ يَكْرِبَ الزُّبَيْدِيِّ:
قدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وجَارَاتُهَا ... ما قَطَّرَ الفَارِسَ إلاَّ أَنَا
الثاني: أنْ يكونَ الضميرُ مرفوعًا بمصدرٍ مضافٍ إلى المنصوبِ به، نحوُ: (عَجِبْتُ مِن ضَرْبِكَ هو) وكقولِ الشاعرِ:
بِنَصْرِكُمْ نَحْنُ كُنْتُمْ فَائِزِينَ، وقَدْ ... أَغْرَى العِدَى بِكُمُ اسْتِسْلاَمُكُمْ فَشَلاَ.
الثالثُ: أنْ يكونَ عاملُ الضميرِ مُضْمَرًا، نحوُ قولِ السَّمَوْءَلِ:
وإنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ على النفسِ ضَيْمَهَا ... فليسَ إلى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيلُ
وكقولِ لَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ:
فإنْ أنتَ لم يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ فانْتَسِبْ ... لَعَلَّكَ تَهْدِيكَ القُرُونُ الأَوَائِلُ
الرابعُ: أنْ يكونَ عاملُ الضميرِ متأخِّرًا عنه؛ كقولِهِ تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . وهذا هو الموضِعُ الذي أشارَ إليه الشارِحُ.
الخامِسُ: أنْ يكونَ عاملُ الضميرِ مَعْنَوِيًّا، وذلكَ إذا وقَعَ الضميرُ مبتدأً، نحوُ: (اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدٌ أَثِيمٌ، وَأَنْتَ مَوْلًى كَرِيمٌ) ومِنه (أَنَا الذَّائِدُ) في بيتِ الفرزدقِ السابقِ.
السادسُ: أنْ يكونَ الضميرُ مَعْمُولًا لحرفِ نفيٍ؛ كقولِهِ تعالى: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} ، {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} ، {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} ، {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} ، وكقولِ الشاعرِ:
إنْ هُوَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى أَحَدٍ ... إِلاَّ عَلَى أَضْعَفِ الْمَجَانِينِ
السابعُ: أنْ يُفْصَلَ بينَ الضميرِ وعاملِه بمعمولٍ آخرَ؛ كقولِهِ تعالى: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} ، وكقولِ الشاعرِ:
مُبَرَّأ مِن عُيُوبِ الناسِ كُلِّهِمُ ... فَاللهُ يَرْعَى أَبَا حَفْصٍ وَإِيَّانَا
الثامِنُ: أنْ يَقَعَ الضميرُ بعدَ واوِ المَعِيَّةِ، كقولِ أبي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
فآلَيْتُ لا أَنْفَكُّ أَحْذُو قَصِيدَةً ... تَكُونُ وإيَّانَا بِهَا مَثَلًا بَعْدِي
التاسعُ: أنْ يَقَعَ الضميرُ بعدَ (أَمَّا) نحوُ: (أمَّا أنا فشاعرٌ، وأمَّا أنتَ فكاتبٌ، وأمَّا هو فنَحْوِيٌّ) .
العاشِرُ: أنْ يَقَعَ بعدَ اللامِ الفارِقَةِ، نحوُ قولِ الشاعرِ:
إنْ وَجَدْتُ الصَّدِيقَ حَقًّا لإِيَّا ... كَ، فمُرْنِي فَلَنْ أَزَالَ مُطِيعَا
وسَيَأْتِي مَوْضِعٌ ذَكَرَ تفصيلَه المصنِّفُ والشارِحُ.