فهرس الكتاب
وذو ارْتِفَاعٍ وانْفِصَالٍ انا هُو ... وأنتَ والفُرُوعُ لاَ تَشْتَبِهُ [1]
تَقَدَّمَ أنَّ الضميرَ يَنْقَسِمُ إلى مُسْتَتِرٍ وإلى بارِزٍ، وسَبَقَ الكلامُ في المُسْتَتِرِ, والبارزُ يَنْقَسِمُ إلى مُتَّصِلٍ ومُنْفَصِلٍ، فالمُتَّصِلُ يكونُ مَرْفُوعًا ومنصوبًا ومجرورًا، وسَبَقَ الكلامُ في ذلك، والمنفصِلُ يكونُ مرفوعًا ومنصوبًا، ولا يكونُ مجرورًا.
وذَكَرَ المصنِّفُ في هذا البيتِ المرفوعَ المنفصِلَ، وهو اثنا عَشَرَ: (أنا) للمتكلِّمِ وَحْدَه، و (نَحْنُ) للمتكلِّمِ المشارَكِ أو المُعَظِّمِ نَفْسَه، و (أَنْتَ) للمُخاطَبِ، و (أَنْتِ) للمُخاطَبَةِ، و (أَنْتُمَا) للمُخاطَبَيْنِ أو المخاطبتيْنِ، و (أَنْتُمْ) للمُخَاطَبِينَ، و (أَنْتُنَّ) للمُخَاطَبَاتِ، و (هُوَ) للغائبِ، و (هي) للغائبةِ، و (هُمَا) للغائبيْنِ أو الغائبتيْنِ، و (هُمْ) للغائبينَ، و (هُنَّ) للغَائِبَاتِ.
وذُو انْتِصَابٍ فِي انْفِصَالٍ جُعِلاَ ... إِيَّايَ والتَّفْرِيعُ ليسَ مُشْكِلاَ [2]
أشارَ في هذا البيتِ إلى المنصوبِ المُنْفَصِلِ، وهو اثنا عَشَرَ: (إِيَّايَ) للمتكلِّمِ وَحْدَه، و (إِيَّانَا) للمتكلِّمِ المُشارَكِ أو المُعَظِّمِ نفسَه، و (إيَّاكَ) للمخاطَبِ، و (إِيَّاكِ) للمخاطَبةِ، و (إِيَّاكُمَا) للمخاطَبَيْنِ أو المخاطَبَتَيْنِ، و (إِيَّاكُمْ) للمُخَاطَبِينَ، و (إِيَّاكُنَّ) للمُخَاطَبَاتِ، و (إيَّاهُ) للغائبِ، و (إِيَّاهَا) للغائبةِ، و (إيَّاهُمَا) للغائبيْنِ أو الغائبتيْنِ، و (إيَّاهُم) للغائِبِينَ، و (إيَّاهُنَّ) للغائباتِ [3] .
(1) (وذُو) مبتدأٌ، وذو مضافٌ و (ارتفاعٍ) مضافٌ إليه، (وانْفِصَالٍ) معطوفٌ على ارتفاعٍ، (أَنَا) خبرُ المبتدأِ، (هُوَ وأَنْتَ) معطوفانِ على أنا، (والفروعُ) مبتدأٌ، (لا) نافيةٌ، (تَشْتَبِهُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هي يعودُ إلى الفروعِ، والجملةُ مِن الفعلِ المضارِعِ المنفيِّ وفاعلِه في مَحَلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الذي هو قولُه: (الفُرُوعُ) .
(2) (وذو) مبتدأٌ، وذو مضافٌ و (انتصابٍ) مضافٌ إليه، (فِي انْفِصَالٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن الضميرِ المُسْتَتِرِ في (جُعِلَ) الآتي، (جُعِلاَ) جُعِلَ: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمجهولِ، والألفُ للإطلاقِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تقديرُه هو يعودُ إلى ذو، (إِيَّايَ) مفعولٌ ثانٍ لجُعِلَ، والجملةُ مِن جُعِلَ ومَعْمُولَيْهِ في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ، (والتَّفْرِيعُ) مبتدأٌ، (ليسَ) فعلٌ ماضٍ ناقصٌ يَرْفَعُ الاسمَ ويَنْصِبُ الخبرَ، واسمُها ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على التفريعِ، (مُشْكِلاَ) خبرُ ليسَ، والجملةُ مِن ليسَ واسمِها وخبرِها في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ الذي هو قولُه: (التَّفْرِيعُ) .
(3) اختُلِفَ في هذه اللواحقِ التي بعدَ (إِيَّا) فقيلَ: هي حروفٌ تُبَيِّنُ الحالَ وتُوَضِّحُ المرادَ مِن (إيَّا) متكلِّمًا أو مخاطَبًا أو غائبًا، مُفردًا أو مثنًّى أو مجموعًا، ومثلُها مثلُ الحروفِ التي في أنتَ وأنتُما وأَنْتُنَّ، ومثلُ اللواحقِ في أسماءِ الإشارةِ، نحوُ: تلكَ وذلكَ وأولئكَ، وهذا مذهَبُ سِيبَوَيْهِ والفَارِسِيِّ والأَخْفَشِ، قالَ أبو حَيَّانَ: وهو الذي صَحَّحَهُ أصحابُنا وشُيُوخُنا.
وذهَبَ الخليلُ والمَازِنِيُّ، واخْتَارَهُ ابنُ مالكٍ، إلى أنَّ هذه اللواحِقَ أسماءٌ، وأنها ضمائرُ أُضِيفَتْ إليها (إيَّا) زاعمينَ أن (إيَّا) أُضِيفَتْ إلى غيرِ هذه اللواحقِ في نحوِ: (إذا بَلَغَ الرجلُ الستِّينَ فإيَّاهُ وإيَّا الشَّوَابِّ) ، فيكونُ في ذلك دليلٌ على أنَّ اللواحقَ أسماءٌ.
وذلك باطلٌ لوجهيْنِ:
الأوَّلُ: أن هذا الذي اسْتَشْهَدُوا به شاذٌّ، ولم تُعْهَدْ إضافةُ الضمائرِ.
والثاني: أنه لو صَحَّ ما يقولونَ لكانَتْ (إيَّا) ونحوُها ملازمةً للإضافةِ، وقد عَلِمْنَا أنَّ الإضافةَ مِن خصائصِ الأسماءِ المعرَبَةِ، فكانَ يَلْزَمُ أنْ تكونَ (إيَّا) ونحوُها معرَبةً، أَلَسْتَ تَرَى أنهم أَعْرَبُوا (أيَّ) الموصولةَ والشرطيَّةَ والاستفهاميَّةَ لِمَا لاَزَمَها من الإضافةِ؟
وقالَ الفَرَّاءُ: إنَّ (إيَّا) ليسَتْ ضميرًا، وإنما هي حرفُ عِمَادٍ جِيءَ به تَوَصُّلًا للضميرِ، والضميرُ هو اللواحِقُ، وجِيءَ بهذا العِمادِ ليكونَ دِعَامَةً يَعْتَمِدُ عليها؛ ولِتَمْيِيزِ هذه اللواحقِ عن الضمائرِ المتَّصِلَةِ.
وزَعَمَ الزَّجَّاجُ أنَّ الضمائرَ هي اللواحِقُ مُوَافِقًا في ذلكَ للفَرَّاءِ، ثمَّ خَالَفَه في (إِيَّا) فادَّعَى أنها اسمٌ ظاهرٌ مضافٌ إلى الكافِ والياءِ والهاءِ.
وقالَ ابنُ دَرَسْتَوَيْهِ: إنَّ هذا اسمٌ ليسَ ظاهرًا ولا مُضْمَرًا، وإنما هو بَيْنَ بَيْنَ.
وقالَ الكُوفِيُّون: المجموعُ مِن (إيَّا) ولواحِقِها ضميرٌ واحدٌ.