الصفحة 75 من 811

فأشارَ بقولِه: (سَلْنِيهِ) إلى ما يَتَعَدَّى إلى مفعوليْنِ، الثاني مِنهما ليسَ خَبَرًا في الأصلِ، وهما ضميرانِ، نحوُ: (الدِّرْهَمُ سَلْنِيهِ) ، فيَجُوزُ لكَ في هاءِ (سَلْنِيهِ) الاتِّصالُ، نحوُ: سَلْنِيهِ، والانفصالُ، نحوُ: سَلْنِي إيَّاهُ، وكذلك كلُّ فِعْلٍ أَشْبَهَهُ، نحوُ: الدِّرْهَمُ أَعْطَيْتُكَهُ، وأَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ.

وظاهرُ كلامِ المصنِّفِ: أنه يَجُوزُ في هذه المسألةِ الانفصالُ والاتِّصالُ على السَّوَاءِ، وهو ظاهرُ كلامِ أكثرِ النَّحْوِيِّينَ، وظاهرُ كلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الاتِّصالَ فيها واجبٌ، وأنَّ الانفصالَ مخصوصٌ بالشِّعْرِ.

وأشارَ بقَوْلِهِ: (في كُنْتُهُ الخُلْفُ انْتَمَى) إلى أنه إذا كانَ خبرُ (كانَ) وأَخَوَاتِهَا ضميرًا، فإنَّه يَجُوزُ اتصالُه وانفصالُه، واخْتُلِفَ في المُختارِ منهما؛ فاختارَ المصنِّفُ الاتصالَ، نحوُ: كُنْتُهُ، واخْتَارَ سِيبَوَيْهِ الانفصالَ، نحوُ: كُنْتُ إيَّاهُ [1] ، تقولُ: الصديقُ كُنْتُهُ، وكُنْتُ إِيَّاهُ.

وكذلك المُختارُ عندَ المصنِّفِ الاتصالُ في نحوِ: (خِلْتَنِيهِ) [2] ، وهو كلُّ فعلٍ تَعَدَّى إلى مفعوليْنِ الثاني مِنهما خبرٌ في الأصلِ، وهما ضَمِيرَانِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ المُخْتَارَ في هذا أيضًا الانفصالُ، نحوُ: خِلْتَنِي إيَّاهُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَرْجَحُ؛ لأنَّه هو الكثيرُ في لسانِ العربِ على ما حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ عنهم، وهو المُشَافِهُ لهم؛ قالَ الشاعِرُ:

16 -إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ [3]

(1) قد وَرَدَ الأمرانِ كثيرًا في كلامِ العربِ، فمِن الانفصالِ قولُ عُمَرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:

لَئِنْ كانَ إيَّاهُ لَقَدْ حَالَ بَعْدَنَا ... عَنِ الْعَهْدِ، والإنسانُ قَدْ يَتَغَيَّرُ

وقولُ الآخَرِ:

ليسَ إيَّايَ وَإِيَّا ... كَ، ولا نَخْشَى رَقِيبَا

ومِن الاتِّصالِ قولُ أبي الأسودِ الدُّؤَلِيِّ يُخاطِبُ غلامًا له كانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ فيَضْطَرِبُ شأنُه وتَسُوءُ حَالُه:

فإنْ لا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا

وقولُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمرَ بنِ الخَطَّابِ في شأنِ ابنِ الصَّيَّادِ: (( إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ) ). ومِنه الشاهدُ رَقْمُ 17 الآتِي في ص 68.

(2) قدْ وَرَدَ الأمرانِ في فَصيحِ الكلامِ أيضًًا؛ فمِن الاتصالِ قولُه تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا} .

وقولُ الشاعرِ:

بُلِّغْتُ صُنْعَ امْرِئٍ بَرٍّ إِخَالُكَهُ ... إذْ لَمْ تَزَلْ لاكْتِسَابِ الحَمْدِ مُبْتَدِرَا

ومن الانفصالِ قولُ الشاعرِ:

أَخِي حَسِبْتُكَ إِيَّاهُ، وقدْ مُلِئَتْ ... أَرْجَاءُ صَدْرِكَ بالأَضْغَانِ والإِحَنِ

(3) هذا البيتُ قِيلَ: إنَّه لدَيْسَمِ بنِ طَارِقٍ أحدِ شُعَرَاءِ الجاهليَّةِ، وقد جَرَى مَجْرَى المَثَلِ، وصارَ يُضْرَبُ لكلِّ مَن يُعْتَدُّ بكلامِه، ويُتَمَسَّكُ بمقالِه، ولا يُلْتَفَتُ إلى ما يَقُولُ غيرُه، وفي هذا جاءَ به الشارِحُ، وهو يُرِيدُ أنَّ سِيبَوَيْهِ هو الرجلُ الذي يُعْتَدُّ بقولِه، ويُعْتَبَرُ نَقْلُه؛ لأنَّه هو الذي شَافَهَ العربَ، وعنهم أَخَذَ، ومِن أَلْسِنَتِهِمُ اسْتَمَدَّ.

المفرداتُ: (حَذَامِ) اسمُ امرأةٍ، زَعَمَ بعضُ أربابِ الحَوَاشِي أنَّها الزَّبَّاءُ، وقالَ: وقيلَ غَيْرُها. ونقولُ: الذي عليه الأُدَبَاءُ أنها زَرْقَاءُ اليَمَامَةِ، وهي امرأةٌ مِن بَنَاتِ لُقْمَانَ بنِ عَادٍ، وكانَتْ مَلِكَةَ اليَمَامَةِ، واليمامةُ اسْمُها، فسُمِّيَتِ البلدُ باسْمِها، زَعَمُوا أنها كانَتْ تُبْصِرُ مِن مَسِيرَةِ ثلاثةِ أيَّامٍ، وهي التي يُشِيرُ إليها النابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ في قَوْلِهِ:

واحْكُمْ كحُكْمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ ... إلى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ

قالَتْ أَلاَ لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامُ لَنَا ... إلى حَمَامَتِنَا أَوْ نِصْفَهُ فَقَدِ

الإعرابُ: (إذا) ظرفٌ تَضَمَّنَ معنى الشرطِ، (قَالَتْ) قالَ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، (حَذَامِ) فاعلُ قالَ، مبنيٌّ على الكسرِ في محلِّ رفعٍ، (فَصَدِّقُوهَا) الفاءُ واقعةٌ في جوابِ إذَا، وصَدِّق: فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ، والواوُ فاعلٌ، وها: مفعولٌ به، (فَإِنَّ) الفاءُ للعطفِ، وفيها معنى التعليلِ، وإنَّ: حرفُ توكيدٍ ونصبٍ، (الْقَوْلَ) اسمُ إنَّ منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ، (ما) اسمٌ موصولٌ خبرُ إنَّ، مبنيٌّ على السكونِ في محلِّ رَفْعٍ، (قَالَتْ) قالَ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، (حَذَامِ) فاعلُ قالَتْ، والجملةُ من الفعلِ الذي هو قالَ والفاعلِ لا مَحَلَّ لها من الإعرابِ؛ صِلَةُ الموصولِ، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: ما قالَتْهُ حَذَامِ.

التمثيلُ به: قد جاءَ الشارِحُ بهذا البيتِ وهو يَزْعُمُ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أَرْجَحُ مِمَّا ذَهَبَ إليه الناظِمُ، وكأنَّه أرادَ أنْ يُعَرِّفَ الحقَّ بأنْ يكونَ مَنْسُوبًا إلى عالِمٍ جَلِيلٍ كسِيبَوَيْهِ، وهي فِكْرَةٌ لا يَجُوزُ للعلماءِ أنْ يَتَمَسَّكُوا بها.

ثمَّ إنَّ الأرجحَ في هذه المسألةِ ليسَ هو ما ذَهَبَ إليه سِيبَوَيْهِ والجمهورُ، بل الأرجحُ ما ذَهَبَ إليه ابنُ مالِكٍ، والرُّمَّانِيُّ، وابنُ الطَّرَاوَةِ مِن أنَّ الاتصالَ أرجحُ في خبرِ كانَ وفي المفعولِ الثاني من مفعولَيْ ظَنَّ وأَخَوَاتِها؛ وذلك مِن قِبَلِ أنَّ الاتصالَ في البابيْنِ أكثرُ وُرُودًا عن العربِ، وقد وَرَدَ الاتصالُ في خبرِ (كانَ) في الحديثِ الذي رَوَيْنَاهُ لكَ، ووَرَدَ الاتصالُ في المفعولِ الثاني مِن بابِ ظَنَّ في القرآنِ الكريمِ فيما قد تَلَوْنَا مِن الآياتِ، ولم يَرِدْ في القرآنِ الانفصالُ في أحدِ البابيْنِ أصلًا، وبحَسْبِكَ أنْ يكونَ الاتصالُ هو الطريقَ الذي اسْتَعْمَلَه القرآنُ الكريمُ باطِّرَادٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت