فهرس الكتاب
والكثيرُ في لِسَانِ العَرَبِ ثُبُوتُها، وبه وَرَدَ القرآنُ؛ قالَ اللهُ تعالى: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ} .
وأمَّا (لَعَلَّ) فَذَكَرَ أنها بعكسِ لَيْتَ؛ فالفصيحُ تَجْرِيدُها مِن النونِ؛ كقولِهِ تعالى حِكَايَةً عن فِرْعَوْنَ: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ} ، ويَقِلُّ ثُبُوتُ النونِ؛ كَقَوْلِ الشاعرِ:
19 -فَقُلْتُ أَعِيرَانِي الْقَدُومَ لَعَلَّنِي ... أَخُطُّ بِهَا قَبْرًا لأَبْيَضَ مَاجِدِ [1]
(1) هذا البيتُ من الشواهدِ التي لا يُعْرَفُ قَائِلُها.
اللغةُ: (أَعِيرَانِي) ويُرْوَى (أَعِيرُونِي) ، وكلاهما أمرٌ مِن العَارِيَّةِ، وهي أنْ تُعْطِيَ غيرَكَ ما يَنْتَفِعُ به معَ بقاءِ عَيْنِه ثُمَّ يَرُدَّهُ إليكَ، (القَدُومَ) بفتحِ القافِ وضمِّ الدالِ المخفَّفَةِ: الآلةُ التي يُنْجَرُ بها الخشبُ، (أَخُطُّ بها) أي: أَنْحِتُ بها، وأصلُ الخَطِّ مِن قولِهم: خَطَّ بأُصْبَعِهِ في الرملِ، (قَبْرًا) المرادُ به الجَفْنُ؛ أي: القِرابُ، وهو الجِرابُ الذي يُغْمَدُ فيه السيفُ، (لأَبْيَضَ مَاجِدِ) لسيفٍ صَقِيلٍ.
الإعرابُ: (فَقُلْتُ) فعلٌ وفاعلٌ، (أَعِيرَانِي) أَعِيرَا: فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على حذفِ النونِ، والألفُ ضميرُ الاثنيْنِ فاعلٌ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ مفعولٌ أوَّلُ لأَعِيرَا، (الْقَدُومَ) مفعولٌ ثانٍ لأَعِيرَا، (لَعَلَّنِي) لعلَّ هنا: حرفُ تعليلٍ ونصبٍ، والنونُ للوقايةِ، والياءُ اسمُ لعَلَّ، (أَخُطُّ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنا، وجملةُ المضارعِ وفاعلِه في محلِّ رفعِ خبرِ لَعَلَّ، (بِهَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَخُطُّ، (قَبْرًا) مفعولٌ به لأَخُطُّ، (لأَبْيَضَ) اللامُ حرفُ جرٍّ، وأبيضَ مجرورٌ بها، وعلامةُ جرِّه الفتحةُ نيابةً عن الكسرةِ؛ لأنَّه اسمٌ لا يَنْصَرِفُ، والمانعُ له من الصرفِ الوصفيَّةُ ووَزْنُ الفعلِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صفةٍ لقَبْرٍ، (مَاجِدِ) صفةٌ لأبيضَ، مجرورٌ بالكسرةِ الظاهرةِ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (لَعَلَّنِي) حيثُ جَاءَ بنونِ الوقايةِ معَ لعلَّ، وهو قليلٌ.
ونظيرُه قولُ حاتِمٍ الطَّائِيِّ يُخَاطِبُ امْرَأَتَهُ، وكانَتْ قد لاَمَتْهُ على البَذْلِ والجُودِ:
أَرِينِي جَوَادًا ماتَ هُزْلًا لَعَلَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا.
والكثيرُ في الاستعمالِ حذفُ النونِ معَ (لعلَّ) وهو الذي اسْتَعْمَلَهُ القرآنُ الكريمُ، مثلُ قولِهِ تعالى: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ} ، وقولِهِ سُبْحَانَهُ: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا} . ومنه قولُ الفرزدقِ:
وإنِّي لرَاجٍ نَظْرَةً قِبَلَ الَّتِي ... لَعَلِّي وإنْ شَطَّتْ نَوَاهَا أَزُورُهَا
وقولُ الآخرِ:
ولي نَفْسٌ تُنَازِعُنِي إذَا ما ... أَقُولُ لَهَا: لَعَلِّي أَوْ عَسَانِي.