الصفحة 20 من 53

عنهم فَهِمُوا مِنْ قولِهِ تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} العمومَ، وكذلكَ مِنْ قولِهِ تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، وكذلكَ مِنْ قولِهِ تعالى: {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، ولأنَّ الجمْعَ الْمُنَكَّرَ يَجوزُ استثناؤُهُ مِن الجمْعِ الْمُعَرَّفِ، فلولا أنَّ الجمْعَ المعرَّفَ للاستغراقِ لَمَا صَحَّ استثناءُ الجمْعِ الْمُنَكَّرِ منهُ.

وبيانُ صِحَّةِ الاستثناءِ منهُ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: جاءَنِي الفُقهاءُ إلَّا فُقَهاءَ [مكَّةَ] ، واقْتُلُوا المشركينَ إلَّا مُشْرِكِي أهلِ الكتابِ.

والجمْعُ الْمُنَكَّرُ يَصْلُحُ للاستغراقِ ولكنَّهُ لا يُفيدُهُ، فلوْ كانَ الجمْعُ المعرَّفُ كذلكَ، كانَ استثناءُ الْمُنَكَّرِ منهُ مُمتَنِعًا؛ لاستوائِهما في الدَّلالةِ.

والأسماءُ الْمُبْهَمَةُ مِنْ صِيغِ العمومِ، مثلُ: (مَنْ) و (ما) .

فـ (مَنْ) تَخْتَصُّ بالعاقِلينَ، وتَعُمُّ الذُّكورَ والإناثَ والأحرارَ والعَبيدَ؛ لأنَّها تُستعمَلُ في الجميعِ؛ لأنَّ مَنْ قالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، تَناوَلَ ذلكَ كُلَّ داخلٍ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وحُرٍّ وعَبْدٍ. وهذا هوَ المُتَبَادَرُ إلى الفهْمِ عندَ الإطلاقِ، والمبادَرةُ إلى الفهْمِ دليلُ الحقيقةِ.

و (ما) عامَّةٌ في غيرِ العاقِلينَ، كقولِكَ: وَكَّلْتُكَ فيما إِلَيَّ مِن التصرُّفاتِ، وما جاءَني مِنْكَ أَخَذْتُهُ. وقد استُعْمِلَتْ (ما) بمعنى (مَنْ) في قولِهِ تعالى: {وَالسَّمَاءَ وَمَا بَنَاهَا} . وقدْ تَجيءُ عامَّةً فيمَنْ يَعْقِلُ ومَنْ لا يَعقِلُ، في قولِ مَنْ قالَ: لا أَمْلِكُ ممَّا في يَدِ زَيْدٍ شيئًا. فيكونُ ذلكَ عامًّا حتَّى يَدْخُلَ فيهِ مَنْ يَعقِلُ كالعَبْدِ والأَمَةِ ومَنْ لا يَعقِلُ كالبهيمةِ والْمَتاعِ.

وأمَّا (أيٌّ) فإنَّها تُستعمَلُ في العاقِلينَ وغيرِهم، تقولُ: أيُّ عَبِيدِي جاءَكَ فهوَ حُرٌّ، وتقولُ: أيَّ الأشياءِ أردْتَ أَعطَيْتُكَ.

و (أينَ) : مِنْ أسماءِ المكانِ، وهيَ تُفيدُ العمومَ، تقولُ: أينَ كانَ زيدٌ كُنْتُ معهُ.

و (متى) : مِنْ أسماءِ الزمانِ، وهيَ عامَّةٌ فيهِ أيضًا، تقولُ: متى شِئْتَ جِئْتُكَ.

و (ما) : عامَّةٌ في الاستفهامِ، تقولُ: ما عِنْدَكَ؟ فيُفيدُ العُمومَ في المستفْهَمِ عنهُ.

و (ما) في الجزاءِ تُفيدُ العمومَ، في قولِكَ: ما تَصنعْ أَصْنَعْ. وهذا هوَ صوابُ العبارةِ في الكتابِ. وفي أكثرِ النُّسَخِ: (والخبرِ) ، وكأنَّهُ تَصحيفٌ مِن الجَزَاءِ. وقدْ حُمِلَ على صورةٍ، وهيَ ما إذا قالَ شخصٌ لآخَرَ: ما صَنَعْتَ؟ فقالَ المُخَاطَبُ: ما صَنَعْتُ. فـ (ما) الأُولَى عامَّةٌ في الاستفهامِ، و (ما) الثانيَةُ عامَّةٌ في الإخبارِ عما صَنَعَ بلفظٍ مُجْمَلٍ لا يُفيدُ السائلَ الإخبارَ عنْ خصوصِ ما صَنَعَ، فقدْ وَقَعَتْ (ما) عامَّةً في الخبرِ.

وغيرُ الاستفهامِ والجزاءِ: النفيُ، يقولُ: ما جاءَني مِنْ أحدٍ، فيكونُ (ما) عامَّةً في النفيِ. و (ما) النافيَةُ والاستفهاميَّةُ حرفٌ، والخبريَّةُ اسمٌ موصولٌ. و (لا) : في النَّكِراتِ، يَعْنِي مِثلُ قولِكَ: لا رَجُلَ في الدارِ، ولا أَحَدَ في المسجِدِ؛ فإنَّهُ يُفيدُ العمومَ في النفيِ. ولهذا يُرَدُّ قولُ مَنْ قالَ: لا رَجُلَ في الدارِ، بأنْ يُقالَ لهُ: بلْ فيها رَجلٌ أوْ رجلانِ أوْ رِجالٌ، فلولا أنَّ النفيَ الأوَّلَ أفادَ العمومَ والاستغراقَ وإلَّا لَمَا ناقَضَهُ هذا الإثباتُ، وهذا إذا بُنِيَت النكِرةُ معَ لا، مِثلُ: لا رَجُلَ في الدارِ. فلوْ لمْ تُبْنَ معَ النَّكِرَةِ، بأنْ قيلَ: لا رَجُلٌ في الدارِ، لم تُفِد العمومَ؛ ولهذا يَصِحُّ أن يُقالَ: لا رجلٌ في الدارِ بلْ رجالٌ.

(والعمومُ مِنْ صفاتِ النُّطْقِ، ولا يَجوزُ دَعْوَى العمومِ في غيرِهِ مِن الفعْلِ وما يَجْرِي مَجراهُ) .

يعني: أنَّ العمومَ يَخْتَصُّ بالألفاظِ؛ لأنَّهُ صِفةُ اللفظِ. فأمَّا غيرُ الألفاظِ لا يُوصَفُ بالعمومِ، مِثلُ: ما رُوِيَ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ في السفَرِ. فلو ادَّعَى مُدَّعٍ أنَّ هذا يَدُلُّ على جَوازِ الجمْعِ في السفَرِ الطويلِ والقصيرِ؛ لأنَّ ذلكَ لمْ يُفَصَّلْ بهِ الحديثُ، لمْ يُسْمَعْ ذلكَ منهُ؛ لأنَّ الجمْعَ فعْلٌ واحدٌ مُحْتَمَلٌ أنَّهُ وَقَعَ في السفرِ الطويلِ، ويُحتَمَلُ أنَّهُ وَقَعَ في السفَرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت