فهرس الكتاب
القصيرِ، فحُكْمُهُ التوَقُّفُ لا العمومُ. وكذلكَ قضايا الأعيانِ تَجْرِي مَجرى الأفعالِ؛ فإنَّها تَحْتَمِلُ الاقترانَ بأحوالٍ يَخْتَلِفُ الحكْمُ بها، فإذا لمْ تُعْلَمْ تلكَ الأحوالُ وَجَبَ التوَقُّفُ. ولا يُمْكِنُ أن يُدَّعَى فيها العمومُ؛ فإنَّهُ لا صِيغةَ فيها تَقتضِي العمومَ. وهذا مِثلُ أنَّهُ عليهِ السلامُ قَضَى بالشُّفْعَةِ للجارِ، وحَكَمَ بالشاهِدِ واليمينِ. فهذا يُقالُ لهُ: قَضِيَّةُ عَيْنٍ، وواقِعةُ عَيْنٍ، ولا دَلالةَ فيها على العُمومِ؛ لأنَّهُ يَحْتَمِلُ اقترانَ ما يُوجِبُ تخصيصَ ذلكَ الحكْمِ بصاحبِ الواقعةِ، وأنَّهُ لا يَتَعَدَّى إلى غيرِهِ. وكذلكَ المفهومُ لا يُمْكِنُ دَعوى العمومِ فيهِ، مثلُ قولِهِ عليهِ السلامُ: (( وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ ) )، لا يُقَالُ: مفهومُهُ عامٌّ في نَفْيِ الزكاةِ عنْ كلِّ مَعْلُوفَةٍ؛ فإنَّ المعلوفةَ للتِّجَارةِ تَجِبُ الزكاةُ فيها.
(والخاصُّ يُقابِلُ العامَّ) .
يعني: أنَّهُ يُرْسَمُ بِرَسْمٍ مُقابِلٍ لرَسْمِ العامِّ، فيُقالُ: الخاصُّ ما لا يَتناوَلُ شيئَيْنِ فصاعدًا بجِهةٍ واحدةٍ، أوْ ما لا يَتناوَلُ شَيئًا غيرَ مَحصورٍ، أوْ ما لا يَقْتَضِي استغراقَ الجنْسِ، أوْ لا يَتناوَلُ جَميعَ ما يَصْلُحُ لهُ، كُلُّ هذهِ الرسومِ على مُقابَلَةِ الرسومِ المذكورةِ في العامِّ.
(والتخصيصُ تَمييزُ بعضِ الجملةِ) .
يعني: أنَّ إخراجَ بعضِ ما يَتناوَلُهُ اللفظُ العامُّ يُسَمَّى تَخصيصًا: كإخراجِ المُعَاهَدِينَ مِنْ عُمومِ قولِهِ تعالى: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، وإخراجِ بيعِ العَرَايَا مِنْ تحريمِ بيعِ الرُّطَبِ بالتمْرِ، وإخراجِ المسافِرِ والمريضِ مِنْ فَريضةِ الصيامِ بشُهودِ الشهْرِ.
(وهوَ يَنْقَسِمُ إلى مُتَّصِلٍ ومُنْفَصِلٍ، فالمتَّصِلُ الاستثناءُ والشرْطُ والتَّقْيِيدُ بالصفةِ) .
جُعِلَ التخصيصُ على قِسمَيْنِ: مُتَّصِلٍ ومُنفصِلٍ. صحيحٌ إذا أُطْلِقَ التخصيصُ بالمعنى اللُّغويِّ وهوَ التفعيلُ مِن الخُصُوصِ، فإنَّ كلَّ ما أَخْرَجَ شيئًا مِن العامِّ كانَ تَخصيصًا بهذا الاعتبارِ. وأمَّا المشهورُ مِن الاصطلاحِ فهوَ تَخصيصُ لفظِ التخصيصِ بكلِّ ما يُخْرِجُ عن العامِّ شيئًا وهوَ مُنفَصِلٌ عن العامِّ. وعلى هذا، لا يكونُ الاستثناءُ داخلًا تحتَ التخصيصِ. وقد اختارَ التقديرَ الأوَّلَ جماعةٌ مِنْ أهلِ الأصولِ، وجَعَلُوا التخصيصَ جِنْسًا للاستثناءِ والتقييدِ والتخصيصِ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ. والاستثناءُ استفعالٌ مِنْ ثَنَيْتُ، فكأنَّ المستثنَى طَوَى بعضَ ما اقتضاهُ كلامُهُ الأوَّلُ؛ أيْ: رَفَعَهُ وأَزَالَهُ. ومِثالُ الاستثناءِ: أَكْرِم الفُقهاءَ إلَّا زَيْدًا.
والشرْطُ: العلامةُ في اللُّغَةِ، وسُمِّيَ ما يُقَيَّدُ بهِ الكلامُ شَرْطًا؛ لأنَّهُ عَلامةٌ على الْحُكْمِ، ومِثالُهُ: أَكْرِم الفُقهاءَ إنْ أَطاعوكَ. والتقييدُ بالصفةِ مِثلُ: أَكْرِم الفُقهاءَ الحافظينَ لكتابِ اللَّهِ تعالى. ثمَّ أَخَذَ في رَسْمِ الاستثناءِ في الاصطلاحِ فقالَ:
(والاستثناءُ إخراجُ ما لَوْلاهُ لدَخَلَ في الكلامِ) .
وهذا هوَ الْمَذْهَبُ المشهورُ، وبهذا جَعَلَ الاستثناءَ دَليلًا على إفادةِ المستثنَى منهُ العمومَ. وقيلَ: الاستثناءُ إخراجُ ما لولاهُ لصَحَّ دُخولُهُ، وعلى هذا لا يكونُ جِنْسُ الاستثناءِ دَليلًا على إفادةِ المستثنَى منهُ للعُمومِ. ومِن الدليلِ على أنَّ الاستثناءَ إخراجُ ما يَجِبُ دُخولُهُ أنَّهُ استُعْمِلَ فيما يَجِبُ دُخولُهُ، كقولِهم: لهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثلاثةً. والأصْلُ في الإطلاقِ الحقيقةُ.
(وإنَّما يَصِحُّ بشرْطِ أنْ يَبْقَى مِن المستثنَى منهُ شَيْءٌ)
يعني: أنَّ الاستثناءَ المُسْتَغْرِقَ يكونُ لاغيًا [1] ، فإنَّهُ لو اعْتُدَّ بهِ لَزِمَ التناقُضُ؛ فإنَّ مَنْ قالَ: لهُ عَلَيَّ عَشرةٌ إلَّا عَشرةً، كانَ نافيًا بالاستثناءِ عَيْنَ ما أَثْبَتَهُ، وتَوَارُدُ النفيِ والإثباتِ على مَحَلٍّ واحدٍ مُحالٌ. ولا يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ الباقي الأكثرَ عندَ الشافعيِّ رضِيَ اللَّهُ عنهُ وأصحابِهِ، فإذا قالَ: لهُ عَلَيَّ عَشرةٌ إلَّا تِسعةً، قُبِلَ وكانَ هذا كلامًا صحيحًا، واحتَجَّ لهذا القولِ بأنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ استثنَى
(1) الصَّوَابُ هنا (مُلْغًى) ؛ لأنَّهُ اسمُ الفاعلِ من الفعلِ أَلْغَى الرُّبَاعِيٌّ.