الصفحة 22 من 53

الغَاوِينَ مِن الصالحينَ في قولِهِ تعالى: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} ، واستثنَى الصالحينَ مِن الغُوَاةِ فقالَ: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} ، والغاوُونَ هم الأكثرُ، فقدْ نَطَقَ الكتابُ العزيزُ، فقدْ نَطَقَ باستثناءِ الأكثرِ وباستثناءِ الأقَلِّ، وفي هذا ما يَرُدُّ قولَ المُخَالِفِ: إنَّ استثناءَ الأكثرِ ليسَ صحيحًا.

(ومِنْ شَرْطِهِ: أنْ يكونَ مُتَّصِلًا بالكلامِ)

هذا قولُ الفُقهاءِ كافَّةً وجُمهورِ أهلِ العلْمِ، ويُحْكَى عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ أنَّهُ قالَ بصِحَّةِ الاستثناءِ الْمُنْفَصِلِ، وعنْ غيرِهِ أنَّ الاستثناءَ المنفَصِلَ عن المستثنَى منهُ يَصِحُّ بشَرْطٍ: أنْ يَقْتَرِنَ بهِ ما يَدُلُّ على أنَّهُ مُستثنًى مِن الكلامِ السابقِ، مِثلُ أنْ يقولَ: جاءَ الفُقهاءُ، ثمَّ يَقولَ بعدَ يَوْمٍ مَثَلًا: (إِلَّا زَيدًا. وهذا الاستثناءُ مِنْ ذلكَ الكلامِ الذي قُلْتُهُ قبلَ هذا) . أمَّا الْمَحْكِيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، فأَكْثَرُ أهلِ العلْمِ على أنَّ هذا القولَ لا يَصِحُّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ فإنَّهُ لا يَلِيقُ بِمَكانِهِ مِن العلْمِ ومَحَلِّهِ مِن اللغةِ العربيَّةِ؛ فإنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هذا القولِ أنَّهُ لا يَنْعَقِدُ يمينٌ أبدًا، ولا يَسْتَقِرُّ إِقْرَارٌ. وأيضًا فالمعروفُ مِنْ كلامِ العرَبِ اتِّصالُ الاستثناءِ بالمستثنَى منهُ؛ فإنَّ الاستثناءَ كلامٌ لا يَسْتَقِلُّ بنفسِهِ. وقالَ الإمامُ البيهقيُّ: مُرادُ ابنِ عبَّاسٍ بصِحَّةِ الاستثناءِ المنفصِلِ الاستثناءُ بالمَشِيئَةِ؛ فإنَّ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا أوْ تَكَلَّمَ بكلامٍ مُسْتَقْبَلٍ يُستحَبُّ أنْ يقولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. فلوْ نَسِيَ ذلكَ حالَ الكلامِ، ثمَّ ذَكَرَ بعدَ ذلكَ فقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، حَصَلَ لهُ أَجْرُ المشيئةِ، لا أنَّ ذلكَ الكلامَ يُنْتَقَضُ مُوجَبُهُ ويَنْحَلُّ حُكْمُهُ. وهذا تأويلٌ قريبٌ، وهوَ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ صِحَّةِ الاستثناءِ المنفصِلِ إلى ابنِ عبَّاسٍ.

(ويَجوزُ تَقديمُ الاستثناءِ على المستثنَى منْهُ)

هذهِ المسألةُ مِنْ فَنِّ النَّحْوِ، ولا يكادُ يَتَعَلَّقُ بفَنِّ الأصولِ، وإنَّما الكلامُ في الاستثناءِ يَجُرُّ بعْضُهُ بعضًا. ومِثالُ تقديمِ الاستثناءِ على المستثنَى قولُ الكُمَيْتِ:

ومَا لِيَ إلَّا آلَ أحمدَ شِيعةٌ

ويقولُ الإنسانُ: ما قامَ إلَّا زَيْدًا أَحَدٌ.

(ويجوزُ الاستثناءُ مِن الجنْسِ ومِنْ غَيْرِهِ)

هذا مَنقولٌ عن الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، وقالَ قومٌ: لا يَجُوزُ الاستثناءُ مِنْ غيرِ الجنْسِ؛ لأنَّ حقيقةَ الاستثناءِ إخراجُ ما تَناوَلَهُ اللفظُ، ولمْ يَتناوَل اللفظُ غيرَ الجنْسِ الذي وُضِعَ اللفظُ لإفادتِهِ، فإذا قالَ: رَأَيْتُ الناسَ إلَّا الْحُمُرَ، لمْ يَصِحَّ هذا الكلامُ؛ لأنَّ الحمُرَ ليستْ مِمَّا دلَّ عليهِ لفظُ الناسِ. واحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الاستثناءِ مِنْ غيرِ الجنْسِ، بأنَّهُ وَقَعَ في كلامٍ في كلامِ اللَّهِ وفي كلامِ العربِ، وذلكَ دليلُ صِحَّتِهِ. فأمَّا في كلامِ اللَّهِ تعالى، فقولُهُ: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ} ، وإبليسُ لم يكُنْ مِن الملائكةِ؛ بدليلِ قولِهِ تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ} . وما قيلَ: إنَّ معنى قولِهِ: مِن الجِنِّ، أنَّهُ كانَ مُسْتَتِرًا عن العُيونِ، تَعَسُّفٌ ضعيفٌ. وكذلكَ قولُهم: كانَ مِنْ نَوْعٍ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الْجِنُّ؛ فإنَّهُ لا يكادُ يَثْبُتُ وُجودُ هذا النوْعِ. وقالَ تعالى في قِصَّةِ إبراهيمَ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} ، وقالَ تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} ، والظنُّ: ليسَ مِن العلْمِ، وقالَ تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} .

وقالَ الشاعرُ:

وبلْدَةٍ ليسَ بها أَنيسُ * إلَّا الْيَعَافِيرُ وإلَّا الْعِيسُ

وقالَ الآخَرُ:

وما بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ ... إلَّا أَوَارِيَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت