الصفحة 23 من 53

(والشرْطُ يَجوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ على المشروطِ)

الشرْطُ في اللغةِ: العَلامةُ. وفي الاصطلاحِ: ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ المشروطِ عليهِ: كالطهارةِ؛ فإنَّها شَرْطٌ للصلاةِ. وقدْ يكونُ بلفظِ الشرْطِ، مِثلُ: إنْ دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ. وقدْ يكونُ بلفظِ الغايَةِ، كقولِهِ تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، فشرْطُ حَقْنِ دِمائِهم بَذْلُ الْجِزيَةِ. وتَقَدُّمُ الشرْطِ على المشروطِ يكونُ في اللفظِ ويكونُ في الوُجودِ، فالتقَدُّمُ اللفظيُّ مِثلُ: إنْ دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، ولا فَرْقَ بينَ قولِهِ: أنتِ طالقٌ إنْ دَخَلْتِ الدارَ، وبينَ قولِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ. وأمَّا التقَدُّمُ الوُجوديُّ فيَجوزُ أنْ يكونَ الشرْطُ مُتَقَدِّمًا فيهِ على المشروطِ: كالطهارةِ معَ الصلاةِ؛ فإنَّها شَرْطٌ فيها، ويَجوزُ تَقَدُّمُها عليها. ويَجوزُ كونُ الشرْطِ مُقارِنًا: كالاستقبالِ في الصلاةِ، وسَتْرِ العورةِ. فأمَّا أنْ يكونَ الشرْطُ مُتَأَخِّرًا في الوُجودِ عن المشروطِ فذلكَ لا يَجوزُ؛ فإنَّهُ متى وُجِدَ المشروطُ بدُونِهِ خَرَجَ عنْ كونِهِ شَرْطًا.

(والمُقَيَّدُ بالصفةِ يُحْمَلُ عليهِ المُطْلَقُ: كالرقبةِ قُيِّدَتْ بالإيمانِ في بعضِ الْمَواضِعِ، وأُطْلِقَتْ في بعضِ الْمَواضِعِ، فيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ)

إذا كانَ المطلَقُ والْمُقيَّدُ وارِدَيْنِ في حُكْمٍ واحدٍ، مِثلُ أنْ يقولَ في كَفَّارةِ القتْلِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ، ثمَّ يقولَ مَرَّةً أُخْرَى: فتَحريرُ رقَبةٍ، مِنْ غيرِ ذِكْرِ الإيمانِ، فيُحْمَلُ أحدُهما على الآخَرِ؛ لأنَّ العملَ بالْمُقَيَّدِ فيهِ إعمالُ المُطْلَقِ بخِلافِ العكسِ. وإنَّ ما كانَ في حُكمَيْنِ مُختلفَيْنِ، مِثلُ: ذِكْرِ الرقَبةِ في كَفَّارةِ القتْلِ مُقَيَّدَةً بوَصْفِ الإيمانِ، وذِكْرِها في كَفَّارةِ الظِّهارِ مُطْلَقَةً، فالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ وُجوبُ حَمْلِ المُطْلَقِ في الظِّهارِ على الْمُقَيَّدِ في القَتْلِ احتياطًا؛ للخُرُوجِ عن العُهدةِ. وقالَ جماعةٌ مِنْ أهلِ الأصولِ، وهوَ المشهورُ عن الْحَنفيَّةِ: إنَّهُ لا يَجِبُ حمْلُ المطلَقِ على الْمُقَيَّدِ في هذا القِسْمِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن البَابَيْنِ مُغايِرٌ للآخَرِ، فلا يَلْزَمُ اتِّفاقُهما في القَيْدِ المذكورِ في أحَدِهما.

(ويجوزُ تخصيصُ الكتابِ بالكتابِ)

مِثلُ قولِهِ تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} ، خُصَّ هذا العمومُ بقولِهِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} . وكذلكَ قولُهُ تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} ، خُصَّ بقولِهِ تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ، في قولِ مَنْ يَجعلُ اسمَ المُشْرِكِ عامًّا لكُلِّ كافرٍ.

(وتخصيصُ الكتابِ بالسُّنَّةِ)

مِثلُ قولِهِ تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} ، فهذا عامٌّ في كلِّ قائمٍ إلى الصلاةِ مُحْدِثًا كانَ أوْ مُتَطَهِّرًا، خُصَّ هذا العُمُومُ بوُرودِ السُّنَّةِ في المُتَطَهِّرِ أنَّهُ يُصَلِّي ولا يَتوضَّأُ. وكذلكَ قولُهُ تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} ، خُصَّ بما يُرْوَى أنَّهُ عليهِ السلامُ قالَ: (( لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ ) )، وخُصَّ بالحديثِ الثابتِ في أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ لا يُورَثُ. وقالَ عيسى بنُ أَبَانٍ: إنْ كانَ عمومُ الكتابِ دَخَلَهُ التخصيصُ بدليلٍ قَطْعِيٍّ جَازَ تَخصيصُهُ بالسُّنَّةِ، وإنْ كانَ لمْ يُخَصَّصْ لمْ يَجُزْ تخصيصُهُ بالسُّنَّةِ. وعنْ بعضِ المتكلِّمينَ: لا يَجوزُ تخصيصُ الكتابِ بالسُّنَّةِ؛ لأنَّ الكتابَ مَقطوعٌ بهِ، والسُّنَّةَ ظَنٌّ، والظنُّ لا يُساوِي القَطْعَ، فلا يُخَصُّ بهِ. والخِلافُ في تخصيصِ الكتابِ بالسُّنَّةِ مَخصوصٌ بما كانَ مِن السُّنَّةِ آحادًا، فأمَّا المُتَوَاتِرُ مِن السُّنَّةِ فيَجوزُ تَخصيصُ الكتابِ بهِ.

(وتخصيصُ السُّنَّةِ بالكتابِ)

مثلُ قولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: (( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ) )، خُصَّ عنهُ التَّيَمُّمُ للعدَمِ أوْ للعَجْزِ؛ لقولِهِ تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} . ومِن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت