فهرس الكتاب
الناسِ مَنْ قالَ: لا يَجوزُ تَخصيصُ السُّنَّةِ بالكتابِ؛ لأنَّ التخصيصَ بيانٌ للمرادِ، والسُّنَّةُ هيَ الْمُبَيِّنَةُ للكتابِ؛ بدليلِ قولِهِ تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} .
(وتخصيصُ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ)
مِثلُ نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ عنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بالتمْرِ، خُصَّ عُمُومُهُ بحديثِ العَرَايَا. ومِن الناسِ مَنْ قالَ: لا تُخَصُّ السُّنَّةُ بالسُّنَّةِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ، فلوْ جازَ تَخْصِيصُها بالسُّنَّةِ لافْتَقَرَ البيانُ إلى بيانٍ.
(وتخصيصُ النُّطْقِ بالقياسِ: ونَعْنِي بالنطْقِ قولَ اللَّهِ تعالى وقولَ الرسولِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ)
يعني: يَجوزُ تَخصيصُ النطْقِ بالقياسِ، وهذا هوَ المشهورُ مِنْ مَذهَبِ الشافعيَّةِ. وعن الحنفيَّةِ: إنْ كانَ العامُّ قدْ خُصَّ بدليلٍ غيرِ القياسِ جازَ تخصيصُهُ بالقياسِ، وإنْ لمْ يكُنْ دَخَلَهُ التخصيصُ لمْ يَجُزْ تخصيصُهُ بالقياسِ. واحْتُجَّ للقولِ الأوَّلِ بأنَّ القياسَ والعمومَ دليلانِ عامٌّ وخاصٌّ، فوَجَبَ تخصيصُ أَعَمِّهما بأَخَصِّهِما كما في النَّصَّيْنِ الخاصِّ والعامِّ، وبأنَّ في إعمالِ القِياسِ وتخصيصِ العمومِ جَمْعًا بينَ الدليلَيْنِ، وإجراءُ العمومِ على ظاهِرِهِ فيهِ تَرْكُ العملِ بالقياسِ بالكُلِّيَّةِ، وإعمالُ الدليلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلغاءِ أحدِهما. والوجهانِ ضَعيفانِ؛ فإنَّ التعارُضَ بينَ الدليلَيْنِ ورُجحانَ الجمْعِ بينَهما على تَرْكِ أحدِهما، شَرْطُهُ استواءُ الدليلَيْنِ وتعادُلُهما في القُوَّةِ، وهذا مُنْتَفٍ في العمومِ والقياسِ؛ فإنَّ القياسَ ضَعيفٌ بالإضافةِ إلى العمومِ؛ بدليلِ أنَّ كلَّ مَنْ قالَ بالقياسِ قالَ بالعمومِ، وليسَ كُلُّ مَنْ قالَ بالعُمومِ قالَ بالقِياسِ. فالدليلُ المُتَّفَقُ على إعمالِهِ أَوْلَى مِن المُخْتَلَفِ فيهِ، ثمَّ هذا الدليلُ معارَضٌ بأنَّ عمومَ الكتابِ أَصْلُهُ مَقطوعٌ بهِ، ودَلالتُهُ في التناوُلِ مَظنونَةٌ، والقياسُ أَصْلُهُ مَظنونٌ، وما تَمَحَّضَ ظَنًّا لا يُساوِي ما لمْ يَتَمَحَّضْ ظَنًّا، وكونُ أصلِ القِياسِ مَظنونًا قدْ يَمْنَعُهُ الفقيهُ؛ فإنَّ المشهورَ عندَ الفُقهاءِ أنَّ دَلائلَ القياسِ قَطْعِيَّةٌ. ولكنَّ التحقيقَ ما ذَكَرْنَاهُ؛ فإنَّ إثباتَهُ بعُموماتٍ كُلُّها ظَنِّيَّةُ الدَّلالةِ. وممَّا يَضْعُفُ بهِ القولُ بتخصيصِ العمومِ بالقياسِ، أنَّ الصحابةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهم كانوا يَتبادَرُونَ إلى العملِ بالعُموماتِ، ولا يُعَرِّجُونَ على الأَقْيِسَةِ، بلْ يُنكِرونَ على المُعْتَرِضِ على العمومِ بالقياسِ. وأيضًا فإنَّ المشهورَ مِنْ حديثِ مُعاذٍ حينَ بَعَثَهُ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ إلى اليَمَنِ، وقالَ لهُ: (( بِمَ تَحْكُمُ؟ ) )، يَقتضِي تَقديمَ النطْقِ على القِياسِ؛ فإنَّهُ جَعَلَ الاجتهادَ مُتَأَخِّرًا عن الكتابِ والسُّنَّةِ.
(والمُجْمَلُ: ما يَفْتَقِرُ إلى البيانِ، والبيانُ: إخراجُ الشيءِ مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ إلى حَيِّزِ التَّجَلِّي)
المُجْمَلُ في الاصطلاحِ: هوَ كُلُّ لفظٍ لا يُعْلَمُ المرادُ منهُ بِمُجَرَّدِهِ، بلْ يَتَوَقَّفُ فَهْمُ مَقصودِهِ على أَمْرٍ خارجٍ عنهُ؛ إمَّا قَرينةُ حالٍ أوْ قَرينةُ لَفْظٍ آخَرَ، وإمَّا دَليلٌ مُنْفَصِلٌ. فاللَّفْظُ المشترَكُ مُجْمَلٌ؛ لأنَّهُ يَفْتَقِرُ إلى ما يُبَيِّنُ المرادَ بهِ مِنْ مَعْنَيَيْهِ أوْ مَعَانِيهِ. وكذلكَ العامُّ الذي دَلَّ الدليلُ على أنَّهُ مَخصوصٌ مِنْ غيرِ بيانِ المرادِ بهِ. والمُجْمَلُ في اللغةِ: مُفْعَلٌ مِنْ أَجْمَلَ بمعنى جاءَ بجَمِيلٍ، وأَجمَلَ بمعنى حَصَّلَ الشيءَ، يُقالُ: أَجْمَلْتُ الشيءَ، إذا حصَّلْتَهُ، وأَجْمَلْتُ الحِسَابَ، جَمَعْتَهُ. ولَمَّا كانَ التحصيلُ والجمْعُ خِلافَ التفصيلِ والتفريقِ، أَشْبَهَ ذلكَ تفصيلَ المعنى وهوَ يُفْهَمُ وجَمْعُهُ بحيثُ يَحتاجُ إلى بيانٍ، فقيلَ لِمَا يَحتاجُ إلى البيانِ: مُجْمَلًا؛ لأنَّهُ جَمَعَ مَعْنَاهُ بحيثُ احتاجَ إلى تفصيلٍ، وقيلَ للمُبَيَّنِ: مُفَصَّلًا؛ لأنَّهُ عُلِمَ بنفسِهِ. وفي رَسْمِهِ البيانَ بما ذَكَرَ نَظَرٌ إلى جِهةِ أنَّ البيانَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ، والمعاني لا تُوصَفُ بالتحَيُّزِ، والتجوُّزُ في الرسْمِ مُجْتَنَبٌ، والمرادُ أنَّ البيانَ هوَ الذي يُزِيلُ الإِشْكَالَ.
(والْمُبَيَّنُ هوَ النَّصُّ، والنَّصُّ لا يَحتمِلُ إلَّا مَعنًى واحدًا، وقيلَ: ما تَأْوِيلُهُ تَنزيلُهُ، وهوَ مُشْتَقٌّ مِنْ مِنَصَّةِ العَروسِ، وهيَ الْكُرْسِيُّ)
النَّصُّ في اللغةِ: الرَّفْعُ، تقولُ: نَصَصْتُ الحديثَ، إذا رَفَعْتَهُ إلى صاحبِهِ، ونَصُّ كلِّ شيءٍ مُنتهاهُ. فإذا ظَهَرَتْ دَلالةُ اللفظِ على المعنى بحيثُ لا يَتَطَرَّقُ إليهِ احتمالٌ، كانَ ذلكَ مُنْتَهَى الدَّلالةِ وغَايتَها، فسُمِّيَ نَصًّا. والنَّصُّ عندَ الفُقهاءِ يُطْلَقُ بمعنى ما دَلَّ